تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن آيات ربنا باقيات

ما يماري فيهن إلا الكفور

خلق الليل والنهار فكل

مستبين حسابه مقدور

ثم يجلو النهار رب رحيم

بمهاة شعاعها منشور

حبس الفيل بالمغمس حتى

صار يحبو كأنه معقور

خلفوه ثم ابذعروا جميعا

كلهم عظم ساقه مكسور

كل دين يوم القيامة عند

الله إلا دين الحنيفة بور

وقد قدمنا في تفسير سورة الفتح

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش بركت ناقته، فزجرها فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، أي حرنت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل " ، ثم قال: " والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها " ، ثم زجرها فقامت "

وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة:

" إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فيبلغ الشاهد الغائب ".

106 - سورة قريش

106.1-4

هذه السورة مفصولة عن التي قبلها من المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) وإن كانت متعلقة بما قبلها، كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد، لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل، وأهلكنا أهله ﴿ لإيلاف قريش ﴾ أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين، وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم ومن سار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال الله تعالى:

أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم

[العنكبوت: 67]، ولهذا قال تعالى: ﴿ لإيلاف قريش * إيلافهم ﴾ بدل من الأول ومفسر له، ولهذا قال تعالى: ﴿ إيلافهم رحلة الشتآء والصيف ﴾ وقال ابن جرير: الصواب أن اللام لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك، قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان، ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ أي فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما، كما قال تعالى:

إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها

[النمل: 91] وقوله تعالى: ﴿ الذي أطعمهم من جوع ﴾ أي هو رب البيت وهو الذي أطعمهم من جوع ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ أي تفضل عليهم بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا، ولهذا من استجاب لهذا الأمر، جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى:

وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون

[النحل: 112]، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿ لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف ﴾ ويحكم يا معشر قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٨٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٨٧٥