تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.117-122

يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام في ذلك الموقف العظيم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل، يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه ﴿ فإذا هي تلقف ﴾ أي تأكل ﴿ ما يأفكون ﴾ أي ما يلقونه ويوهمون أنه حق وهو باطل، قال ابن عباس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء ليس هذا بسحر، فخروا سجدا، وقالوا: ﴿ آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ﴾ قال محمد بن إسحاق: جعلت تتبع تلك الحبال والعصي واحدة واحدة حتى لا يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدا، قالوا: ﴿ آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ﴾ لو كان هذا ساحرا ما غلبنا. وقال القاسم بن أبي برة: أوحى الله إليه أن ألق عصاك، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغر فاه، يبتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجدا فما رفعوا رؤوسهم حتى رأو الجنة والنار وثواب أهلهما.

7.123-126

يخبر تعالى عما توعد به فرعون لعنه الله السحرة لما آمنوا بموسى عليه السلام، وما أظهره للناس من كيده ومكره في قوله: ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منهآ أهلها ﴾ أي إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك، كقوله في الآية الأخرى:

إنه لكبيركم الذي علمكم السحر

[طه: 71]، وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى عليه السلام بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه وسلطنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ممن اختار وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل، ولهذا قد كانوا من أحرص الناس على التقدم عند فرعون، وموسى عليه السلام لا يعرف أحدا منهم ولا رآه ولا اجتمع به وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى:

فاستخف قومه فأطاعوه

[الزخرف: 54] فإن قوما صدقوه في قوله

أنا ربكم الأعلى

[النازعات: 24] من أجهل خلق الله وأضلهم. وقوله: ﴿ لتخرجوا منهآ أهلها ﴾ أي تجتمعوا أنتم وهو وتكون لكم دولة وصولة وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء، وتكون الدولة والتصرف لكم ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أي ما أصنع بكم، ثم فسر هذا الوعيد بقوله: ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ يعني يقطع يده اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس ﴿ لأصلبنكم أجمعين ﴾ ، وقال في الآية الأخرى:

في جذوع النخل

[طه: 71] أي على الجذوع، قال ابن عباس: وكان أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون، وقول السحرة: ﴿ إنآ إلى ربنا منقلبون ﴾ أي قد تحققنا إنا إليه راجعون وعذابه أشد من عذابك، ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم، وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك، فلنصبرن اليوم على عذابك لنخلص من عذاب الله، ولهذا قالوا: ﴿ ربنآ أفرغ علينا صبرا ﴾ أي عمنا بالصبر على دينك والثبات عليه، ﴿ وتوفنا مسلمين ﴾ أي متابعين لنبيك موسى عليه السلام، وقالوا لفرعون:

فاقض مآ أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيآ

[طه: 72]، فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة، قال ابن عباس: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخره شهداء.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٦٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٦٠٤