7.189-190
ليسكن اليها: ليأنس بها ويطمئن إليها. تغشاها: باشرها في الاتصال الجنسي، وهو من التعابير القرآنية المهذبة. فمرت به: استمرت بالحمل ولم تسقطه. اثقلت: حان وقت الولادة. صالحا: ولدا سويا تام الخلقة.
فيه هاتين الآيتين تمثيل لطبع الإنسان وكيف انه: إذا نزل به ما يكره، أو أراد الحصول على ما يجب - اتلجأ الى الله يتضرع، ويقطع على نفسه العهود والمواثيق ان يشكر الله ويطيعه اذا حقق له ما يريد، فاذا تم له ما طلب تولى معرضا ولم يوف بالعهود والمواثيق.
هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل زوجها من جنسها، وكانا يسكنان معا فلما قارب الذكر الانثى علقت منه. وكان الحمل في اول عهده خفيفا لا تكاد تشعر به، فلما ثقل الجنين دعا الزوج والزوجة ربهما قائلين: والله لئن رزقتنا ولدا سليما تام الخلقة، لنكونن من الشاكرين لنعمائك. ونالا ما طلبا، لكنهما جعلا الأصنام شركاء في عطيته الكريمة، وتقربا إليها بالشكر، والله وحده هو المستحق لذلك فتعالى الله عما يشركون.
وهناك بعض الروايات المأخوذة من الاسرائيليات تنسب هذه القصة لآدم وحواء وهذا خلط وتخريف.
7.191-198
افتتحت صورة الأعراف بدعوة القرآن إلى دين التوحيد والأمر باتباع ما انزل الله والنهي عن اتباع من دونه، وتلاه التذكير بنشأة الانسان الاولى في الخلق والتكوين، والعداوة بينه وبين الشيطان، ثم اختتمت بهذه المعاني، وفيها التذكير بالنشأة الاولى والنهي عن الشرك. والآية ههنا تتساءل:
هل يصح ان يشركوا مع الله أصناما لا تقدر أن تخلق شيئا من الاشياء، بل هي أضعف مخلوقاته! ان الخلق والأمر لله، هو وحده يخلق كل شيء.
ولا تستطيع هذه الاصنام ان تنصر من يعبدونها، بل حتى ان ترد الأذى عن نفسها اذا تعدى عليها احد.
وإن تدعوا ايها العابدون لغير الله هذه الاصنام طالبين ان ترشدكم الى ما تحبون، فإنها لن تجيبكم. ان دعاءكم إياها وعدمه سواء، فهي لا تنفع ولا تضر، ولا تهدي ولا تهتدي. أما الرب المعبود الذي بيده كل شيء فهو الله.
ثم بالغ في الرد عليهم واثبت أنها أحط منزلة من الناس، ووبخهم على عبادة تلك الحجارة والاصنام، فقال:
﴿ ألهم أرجل يمشون بهآ... ﴾.
بل ان هذه الاصنام اقل منكم في الخلق والتكوين، فهل لهم ارجل يمشون بها؟ او أيد يدفعون بها الضر عنكم وعنهم؟ او اعين يبصرون بها؟ او حتى آذان يسمعون بها ما تطلبون منهم؟ ليس لهم شيء من ذلك، فكيف تشركونهم مع الله؟
وهذ التحدي للمشركين ليبين جهلهم وعجز آلهتهم، وقد تحداهم في اكثر من آية وبين لهم عجز هذه الآلهة. من ذلك قوله تعالى:
يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب
[الحج:73].
وبعد ان تحدى المشركين وآلهتهم قال لهم: ان الله هو متولي أمري وناصري، الذي نزل علي القرآن، وهو وحده الذي ينصر الصالحين من عباده,
ثم اكد هذا التحدي بقوله تعالى: ﴿ والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ﴾ وقد تقدم هذا في الآية 192، وجاء التكرار ليؤكد ان هذه الأصنام لن تناله بأذى وأنها أعجز من أن تنصر أحدا.
وبعد ذلك أضاف.. وإن تسألوهم الهداية إلى ما فيه خيركم لا يسمعوا سؤالكم، وإنك يا محمد لتراهم ينظرون إليك، وهم في الحقيقة ولا يرون شيئا، لأنهم مجرد حجارة وتماثيل لا حياة فيها ولا حس.