تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25.61-67

قوله عز وجل: ﴿ تبرك ﴾ وقد ذكرناه ﴿ الذى جعل فى السماء بروجا ﴾ يعني: خلق في السماء بروجا يعني: نجوما وكواكب ويقال: قصورا وذكر أنه جعل في القصور حراسا كما قال في آية أخرى

وأنا لمسنا السمآء فوجدنها ملئت حرسا

[الجن: 8] الآية ويقال: البروج الكواكب العظام وكل ظاهر مرتفع فهو برج وإنما قيل لها بروج لظهورها وارتفاعها ثم قال تعالى: ﴿ وجعل ﴾ يعني: خلق فيها ﴿ سراجا ﴾ يعني: شمسا ﴿ وقمرا منيرا ﴾ يعني: منورا مضيئا قرأ حمزة والكسائي (سرجا) بلفظ الجمع يعني الكواكب وقرأ الباقون (سراجا) وبه قال أبو عبيدة: بهذا نقرأ كقوله: ﴿ وجعل الشمس سراجا ﴾ ولأنه قد ذكر الكواكب بقوله: ﴿ بروجا ﴾ ثم قال عز وجل: ﴿ وهو الذى جعل اليل والنهار ﴾ أي: خلق الليل والنهار ﴿ خلفة لمن أراد أن يذكر ﴾ أي خلفة يخلف كل واحد منهما صاحبه يذهب الليل ويجيء النهار ويذهب النهار ويجيء الليل ويقال: خلفة يعني: مخالفا بعضه لبعض أحدهما أبيض والآخر أسود فهما مختلفان كقوله عز وجل: ﴿ إن فى اختلف اليل والنهار ﴾ الآية وعن الحسن أنه قال: النهار خلف من الليل لمن أراد أن يعمل بالليل فيفوته فيقضي فإذا فاته بالنهار يقضي بالليل لمن أراد أن يذكر قرأ حمزة (يذكر) بتسكين الذال وضم الكاف يعني: يذكر ما نسي إذا رأى اختلاف الليل والنهار وقرأ الباقون بالتشديد (يذكر) وأصله يتذكر يعني: يتعظ في اختلافهما ويستدل بهما ﴿ أو أراد شكورا ﴾ يعني: العمل الصالح ويترك ما هو عليه من المعصية ويقال أو أراد شكورا أو أراد توحيدا وإقرارا فيمكنه ذلك قوله عز وجل: ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون ﴾ يعني: وإن من عباد الرحمن عبادا يمشون ﴿ على الأرض هونا ﴾ يعني: يمضون متواضعين وهذا جواب لقولهم وما الرحمن أنسجد فقال الرحمن الذي جعل في السماء بروجا وهو الذي له عباد مثل هؤلاء يعني أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان مثل حالهم وهذا كقوله

جنت عدن التى وعد الرحمن عباده

[مريم: 61] وكقوله:

فبشر عباد الذين

[الزمر: 17] الآية وقال مجاهد: يمشون على الأرض هونا قال في طاعة الله متواضعين ويقال: هونا أي هينا لا جور فيه على أحد ولا أذى ويقال: هونا يعني: سكينة ووقارا وحلما ﴿ وإذا خاطبهم الجهلون ﴾ يعني: كلمهم الجاهلون بالجهل ﴿ قالوا سلاما ﴾ يعني: سدادا من القول ويقال: ردوا إليهم بالجميل وقال الحسن: أي حلما لا يجهلون وإن جهل عليهم حلموا وقال الكلبي: نسخت بآية القتال وقال بعضهم: هذا خطأ لأن هذا ليس بأمر ولكنه خير من حالهم والنسخ يجري في الأمر والنهي ثم وصف حال لياليهم فقال عز وجل: ﴿ والذين يبيتون لربهم سجدا ﴾ يعني: يقومون بالليل في الصلاة سجدا ﴿ وقيما ﴾ يعني: يكونون في ليلتهم مرة ساجدين ومرة قائمين وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: من صلى ركعتين أو أربعا بعد العشاء فقد بات لله ساجدا وقائما ثم وصف خوفهم فقال إنهم مع جهدهم خائفون من عذاب الله عز وجل ويتعوذون منه فقال عز وجل: ﴿ والذين يقولون ﴾ يعني: عباد الرحمن ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ﴾ يعني: لازما لا يفارق صاحبه وقال بعض أهل اللغة: الغرام في اللغة أشد العذاب وقال محمد بن كعب القرظي: (إن عذابها كان غراما) قال سألهم عن النعم فلم يأتوا بثمنها فأغرمهم ثمن النعم وأدخلهم النار ثم قال: ﴿ إنها ساءت مستقرا ومقاما ﴾ يعني: بئس المستقر وبئس الخلود والمقام الخلود كقوله:

دار المقامة

[فاطر: 35] يعني: دار الخلود ويقال نصب المستقر للتمييز ومعناه لأنها ساءت في المستقر ثم قال عز وجل: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ وقرأ نافع وابن عامر يقتروا بضم الياء وكسر التاء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لم يقتروا بنصب الياء وكسر التاء وقرأ أهل الكوفة بنصب الياء وضم التاء ومعنى ذلك كله واحد يعني: لم يسرفوا فينفقوا في معصية الله ولم يقتروا فيمسكوا عن الطاعة ﴿ وكان بين ذلك قواما ﴾ يعني: بين ذلك عدلا ووسطا وقال الحسن: ما أنفق الرجل على أهله في غير إسراف ولا فساد ولا إقتار فهو في سبيل الله تعالى وقال مجاهد: لو كان لرجل مثل أبي قبيس ذهبا فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما في معصية الله تعالى كان مسرفا.

بحر العلوم · الصفحة ٨٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٨٤٠