11.41-44
قوله تعالى: ﴿ وقال اركبوا فيها ﴾ يعني ادخلوا في السفينة ويقال: الجأوا فيها من الغرق ﴿ بسم الله مجراها ﴾ يعني: إذا ركبتموها فقولوا ﴿ بسم الله مجراها ومرساها ﴾ قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " مجريها " بنصب الميم وهكذا قرأ ابن مسعود والأعمش. وقرأ الباقون بضم الميم (واتفقوا في مرساها أنها بضم الميم) إلا أن حمزة والكسائي قرآ بالإمالة. فأما من قرأ بضم الميم فيكون بمعنى المصدر ومعناه: يعني إجراؤها وإرساؤها بأمر الله تعالى وهذا قول الفراء ويقال معناه بسم الله من حيث تجري وتحبس، ومن قرأ بالنصب فمعناه بسم الله جريها وحبسها، يعني بأمر الله تعالى. ﴿ إن ربى لغفور رحيم ﴾ بالمؤمنين قوله تعالى: ﴿ وهى تجرى بهم فى موج ﴾ يعني أمواجا ﴿ كالجبال ونادى نوح ابنه ﴾ كنعان. وقرأ بعضهم ابنها. يعني ابن امرأته. وقرأ بعضهم نوح ابنه بضم الألف. وهي بلغة طيىء، ويقال إنه لم يكن ابنه ولكن كان ابن امرأته، وقراءة العامة ونادى نوح ابنه. قالوا ﴿ وكان ﴾ ابن نوح ﴿ فى معزل ﴾ يعني في ناحية من السفينة ويقال من الجبل. ﴿ يبنى اركب معنا ﴾ أسلم واركب في السفينة معنا ﴿ ولا تكن مع الكفرين ﴾ يعني لا تثبت على الكفر ولا تتخلف مع الكافرين. قرأ عاصم " يا بني اركب " بنصب الياء قرأ الباقون " يا بني اركب " بالكسر. وقال أبو عبيدة: القراءة عندنا بالكسر للإضافة إلى نفسه. كما اتفقوا في قوله
يبنى لا تقصص رءياك
[يوسف: 5] وفي لقمان
يبنى إنهآ
[لقمان: 16]. وإنما فرق عاصم فيما يرى الألف الخفيفة الحقيقية التي في قوله اركب. ﴿ قال سآوي ﴾ يعني قال ابنه سأصعد ﴿ إلى جبل يعصمنى من الماء ﴾ يعني يمنعني من الماء أم من الغرق ولا أؤمن ولا أركب السفينة ﴿ قال ﴾ نوح ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله ﴾ يقول: لا مانع اليوم من عذاب الله أي: الغرق لا جبل ولا غيره ﴿ إلا من رحم ﴾ يعني إلا من قد آمن فعصمه الله ثم قال ﴿ وحال بينهما الموج ﴾ يعني فرق بين كنعان وبين الجبل الموج وهذا قول الكلبي. وقال مقاتل وحال بينهما يعني بين نوح وابنه الموج ﴿ فكان من المغرقين ﴾ يعني: فصار من المغرقين. وروي عن ابن عباس أنه قال أمطرت السماء أربعين يوما وخرج ماء الأرض أربعين يوما الليل والنهار. فذلك قوله
ففتحنآ أبوب السمآء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر
[القمر: 11، 12] وارتفع الماء على كل جبل في الأرض خمسة عشر ذراعا. وروي عن الحسن أنه قال: ارتفع الماء فوق كل جبل وكل شيء ثلاثين ذراعا وسارت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها في خمسة أشهر ما استقرت على شيء حتى أتت الحرم [(فلم تدخله] ودارت بالحرم أسبوعا ورفع البيت الذي بناه آدم إلى السماء السادسة وهو البيت المعمور) وجعل الحجر الأسود على أبي قبيس.
ويقال أودع فيه ثم ذهبت السفينة في الأرض حتى انتهت بهم إلى الجودي، وهو جبل بأرض الموصل فاستقرت عليه بعد خمسة أشهر. قال ابن عباس: ركب نوح السفينة لعشر مضين من رجب، وخرج منها يوم عاشوراء، فذلك ستة أشهر. فلما استقرت على الجودي كشف نوح الطبق الذي فيه الطير فبعث الغراب ليأتيه بالخبر فأبصر جيفة فوقع عليها، فأبطأ على نوح فلم يأته. ثم أرسل الحدأة على أثره فأبطأت عليه ثم أرسل بالحمامة فلم تجد موقفا في الأرض فجاءت بورق الزيتون فعرف نوح أن الماء قد نقص فظهرت الأشجار ثم أرسلها فوقفت على الأرض فغابت رجلاها في الطين فجاءت إلى نوح فعرف أن الأرض قد ظهرت وذلك قوله ﴿ وقيل يأرض ابلعى ماءك ﴾ معناه انشفي ماءك الذي خرج منك ﴿ ويسماء أقلعى ﴾ يعني احبسي وامسكي ﴿ وغيض الماء ﴾ يعني نقص الماء وظهرت الجبال والأرض ﴿ وقضى الأمر ﴾ يعني فرغ من الأمر. ومعناه نجا من نجا وهلك من هلك ﴿ واستوت على الجودى ﴾ يعني استقرت السفينة على الجودي وروي في الخبر أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أني أنزل السفينة على جبل. فتشامخت الجبال وتواضع الجودي لله تعالى فأرسيت عليه السفينة. وقال الحكيم خرج قوس قزح بعد الطوفان أمانا لأهل الأرض أن يغرقوا جميعا ﴿ وقيل بعدا للقوم الظلمين ﴾ يعني سحقا ونكسا للقوم الكافرين. وهو التبعيد من رحمة الله تعالى.