عندكم. فإن أحداً منكم لم يقل إن من رأى عيسى، فقد رأى الأب، بل امتنع كلكم من الكلمة المتحدة به، وزعمتم أن المرئي منه الناسوت. فإذا لم نر ما اتحد، فكيف نرى الأب ولم يتحد؟ وهذا مؤول عندكم، محمول على بعض وجوه التأويل، فزال ظاهره. ثم ما يؤمنكم أنه عنى بأبيه روح القدس، وهو جبريل عليه السلم سماه اباه من حيث كانت نفخته سبب العلوق به، ومن حيث كان معلمه ومؤدبه، وقد سمى المتعلم؛ المعلم الشقيق الرفيق أباه؟ فإذا أمكن ما قلناه-ولم تحتمل قضية العقل غيره-فهلا حملتموه على منهج العقل؟ فإن قالوا: إن في الإنجيل أن مريح تلد إلها.
قلنا: هذا هو التناقض الصراح. فإن الإله لا يولد عندكم أيضاً، وإنما ترجع الولادة إلى الناسوت، وأنتم مضطرون إلى تأويل إضافة الولادة إلى الإله.
ثم نقول: هلا قلتم إنه مسى إلها تجوزاً وتوسعاً، إن صح ذلك، من حيث كان يسوس أمته، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم لمراشد أمورهم، ويحجزهم عن معاطبهم، فهلا أجريتم ذلك مجرى تسمية مالك الشيء ربه، وإن كان الرب على الحقيقة هو الله تعالى؟
ثم نقول: بم تنكرون أن ذلك-إن صح-فالمراد به أنها من يعتقد قول أنه إله؟ فخرج ذلك إنباء عن الغيب. وهذا كما أن العرب سمت الشمس إلهاً، من حيث عُبدت، وإن اتقدوا أنها لا تعبد. فإن قالوا: في الإنجيل أن عيسى صلوات الله عليه قال: أمتى، إني أقول لكم إني كنت قبل إبراهيم. قالوا: وهذا دليل على ما قلناه. فلنا: لو صحّ ذلك، فيمكن حمله على كونه متقدماً في الدرجة وعلو الرتبة، أو كان مقدماً اسمه على اسم إبراهيم في جريدة الأنبياء صلوات الله عليهم. ثم نقول لهم: في صحف آل داود أن سليمان صلوات الله عليه قال: كنت قبل الدنيا، وكنت في صبياً الهواء بين يدي الرب، فما تأويلكم لذلك معاشر النصارى؟ فإن فهموا منه ما فهموا مما نقلوه من إنجيلهم، نقضوا أصلهم. وإن حاولوا تأويله قوبلوا بمثله.