· لبس!
وأما قوله: "لا يُتابع عليه" فقد حصل فيه لبس أيضاً، فظن المزي أنه يقصد حديث أسماء، وليس كذلك.
قال البخاري: "ولم يرو عن أسماء بن الحكم إلا هذا الواحد، وحديثٌ آخر ولم يتابع عليه". ونقل هذا النص ابن عدي في ((الكامل)) (1/ 430) قال: سمعت محمد بن أحمد بن حماد يقول: قال البخاري: "أسماء بن الحكم الفزاري: سمع علياً، روى عنه علي بن ربيعة قال: كنت إذا حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم استحلفته فإذا حلف لي صدقته. ولم يرو عن أسماء غير هذا الحديث الواحد، ويقال: إنه قد روى عنه حديث آخر لم يتابع عليه".
قلت: فهذا واضحٌ في أن البخاري يقصد بأن الحديث الذي لم يُتابع عليه هو الحديث الآخر لا حديث أسماء.
قال المزي في ((تهذيب الكمال)) (2/ 534): "قلت: ما ذكره البخاري رحمه الله لا يقدح في صحة هذا الحديث ولا يوجب ضعفه! أما كونه لم يتابع عليه فليس شرطاً في صحة كل حديث صحيح أن يكون لراويه متابع عليه، وفي الصحيح عدة أحاديث لا تعرف إلا من وجه واحد نحو حديث: إنما الأعمال بالنية الذي أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول وغير ذلك".
· تردد ابن حجر!
وابن حجر متردد في قول البخاري! فقال في ((تهذيب التهذيب)) (1/ 234): "ولعل البخاري إنما أراد بعدم المتابعة في الاستحلاف أو الحديث الآخر الذي أشار إليه".
قلت: أراد الحديث الآخر كما هو واضح إن شاء الله، وأخطأ المزي في كلامه، والله أعلم وأحكم.
· كلام أهل العلم في أسماء بن الحكم وهل تُوبع في حديثه؟
قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (2/ 325): "أسماء بن الحكم الفزاري: روى عن علي. روى عنه علي بن ربيعة الوالبي. سمعت أبي يقول ذلك".
وقال ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (6/ 225): "أسماء بن الحكم الفزاري: روى عن علي ابن أبي طالب، وكان قليل الحديث".
وقال ابن حبان في ((الثقات)) (4/ 59): "أسماء بن الحكم الفزاري: يروي عن علي بن أبي طالب. روى عنه علي بن ربيعة الوالبي. يُخطىء".
· تعقب ابن حجر لابن حبان!
وتعقّبه ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (1/ 234) فقال: "وأخرج له هذا الحديث في ((صحيحه)) وهذا عجيب! لأنه إذا حكم بأنه يخطىء وجزم البخاري بأنه لم يرو غير حديثين يخرج من كلاهما أن أحد الحديثين خطأ، ويلزم من تصحيحه أحدهما انحصار الخطأ في الثاني، وقد ذكر العقيلي أن الحديث الثاني تفرد به عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة عن أسماء، وقال: إن عثمان منكر الحديث، وذكره ابن الجارود في الضعفاء".
قلت: البخاري لم يجزم بأنه لم يرو غير حديثين، وإنما جزم بواحد ولم يجزم بالثاني! والعقيلي إنما ذكر الأول الذي صححه ابن حبان، فيبقى الثاني غير معروف، ولعل ابن حبان اطلع عليه وقال بأنه يخطئ؛ لأنه لم يتابع عليه كما قال فيه البخاري، ويحتمل أن البخاري قال ذلك؛ لأن الحديث فيه نكارة أو غير ذلك، والله أعلم.
وعثمان بن المغيرة من صغار التابعين وله حديث واحد عند البخاري، وهو ثقة. وقد تكلّم أهل العلم في رواية أبي عوانة عنه، فإنه يأتي عنه بمناكير، وقد توبع أبا عوانة على هذا الحديث.
· نقل عجيب لابن حجر!
وما نقله ابن حجر عن العقيلي أنه قال في عثمان: "منكر الحديث" فيه نظرٌ شديدٌ!! فقول العقيلي: حدثني عبدالله بن الحسن عن علي بن المديني قال: "قد روى عثمان بن المغيرة أحاديث منكرة من حديث أبي عوانة".
قلت: فهم ابن حجر من هذا أن العقيلي يرى أنه منكر الحديث! وفيه نظر؛ لإن المناكير في حديثه إنما هي مما يرويه عنه أبو عوانة فقط، والعهدة فيها ليست على عثمان، وإنما على أبي عوانة كما نبه على ذلك غير واحد من أهل العلم، وقول ابن المديني السابق يؤيده. فلو كان العقيلي يرى أن عثمان بن المغيرة منكر الحديث فلِم لم يذكره في كتاب الضعفاء؟!