«بُستان المَعرفة» في حديث «العِتق والمباهاة والدُنُوّ عَشِيَّةَ عَرَفَة».
ومعه: «التَّنبيه» على كيفية تخريج مُسلمٍ لأحاديث «مَخرمة بن بُكير عن أبيه»!
·…قاعدة في العلل:
من أهم قواعد التعليل عند أهل النّقد: التعليل بالنظر إلى أصحاب الراوي، وقد أصّلوا هذه المسألة في كتبهم، ولهذا اعتنى بها الحافظ ابن رجب في شرحه لكتاب "علل الترمذي"، فذكر طبقات الأصحاب وكلام أهل العلم في تقديمهم مطلقاً وعند الاختلاف.
ولهذا تجدهم يرجحون بين اختلافات هؤلاء الرواة على شيخهم، فإذا زاد بعضهم - وإن كان ثقة - على غيره فإنهم لا يقبلون زيادته مطلقاً، وإنما ينظرون إلى القرائن لقبولها، وإلا ردّوها.
وكذلك تفرد بعض الأصحاب بحديث عن الشيخ! فينظرون أيضاً إلى حال هذا المتفرد بين الأصحاب، ثم بعد ذلك ينظرون إلى القرائن التي تجعلهم يقبلون تفرده.
وقد أشار أهل النقد أيضاً إلى مسألة مهمة تتعلق بهؤلاء الأصحاب، وهي: تفرد راو ما عن شيخ معروف له من الأصحاب حملوا عنه حديثه كله، فيأتي راو لم يصحبه، أو قد سمع منه شيئاً فينفرد بحديث عن أؤلئك الأصحاب!! فأين كان هؤلاء الأصحاب الذين لا يفارقون الشيخ عن ذلك الحديث؟!!
فكيف إذا تفرد راو ليس من أهل بلد الشيخ بحديث لا يعرفه أصحاب الشيخ ولا أهل بلده؟!
فهذه القاعدة المهمة لها اعتبارها عند أهل النقد وخاصة فيمن يتفرد بحديث عن محدّث ليس من بلده، ولهذا كان يركّز الإمام البخاري على مسألة السماع بين الرواة وخاصة فيمن اختلفت بلدانهم.
وهذا لا يعني أن نردّ كل حديث يتفرد به راو عن شيخ ما كما قد يتوهمه من يقرأ هذا الكلام! وإنما لا بدّ من النظر في شهرة الشيخ وشهرة أصحابه، وكذلك النظر إلى الطبقة التي يتفرد فيها الراوي بالحديث، وكذلك النظر في بلده وبلد من تفرد عنه، ثم النظر في كلام أهل العلم في حاله.
ولتوضيح هذا نسوق بعض الأمثلة لتجلية هذه القاعدة:
قال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" (3/ 302) (886) وسمعتُ أَبِي وذكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ قُرَّانُ ابن تَمَّام، عَنْ أيمَنَ بنِ نَابِل، عَنْ قُدامَةَ الْعَامِرِيِّ؛ قَالَ: «رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يطوفُ بِالبَيْتِ، يَسْتَلِمُ الحَجَر بِمِحْجَنِه».
فسمعتُ أَبِي يَقُولُ: "لَمْ يَرْوِ هَذَا الحديثَ عَنْ أَيْمَنَ إِلا قُرَّانٌ، وَلا أَرَاهُ مَحْفُوظًا، أَيْنَ كَانَ أصحابُ أيمَنَ بنِ نَابِل عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟! ".
قلت: قران ثقة، لكن تفرده بهذا الحديث عن أيمن لم يقبله أبو حاتم؛ لأن الحديث لا يُعرف عند أصحاب أيمن، مثل: سفيان الثوري، وسفيان بن عُيَيْنَة، وأبو خَالِد سُلَيْمان بْن حيان الأحمر، وأبو دَاوُد سُلَيْمان بْن داود الطيالسي، وأبو عاصم الضحاك بْن مخلد النبيل، وغيرهم.
فتفرّد قران به، وهو لا يعرف في أصحاب أيمن، ولا يعرف أصحاب أيمن هذا الحديث جعل أبا حاتم يردّه ويعلله!!
وقال ابن أبي حاتم أيضاً في "العلل" (5/ 406) (2078) وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رواه ابن جُرَيج، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبة، عَنْ سُهَيْل بْن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ... ، الحديثَ؟».
فَقَالا: "هَذَا خطأٌ؛ رَوَاهُ وُهَيْب، عَنْ سُهَيْل، عَنْ عَوْن بن عبد الله، مَوْقُوفٌ. وَهَذَا أصحُّ.
قلتُ لأَبِي: الوَهَمُ ممَّن هو؟
قَالَ: يَحتملُ أَنْ يكونَ الوَهَمُ مِنِ ابْنِ جُرَيج، ويَحتملُ أَنْ يكونَ مِنْ سُهَيْل، وَأَخْشَى أَنْ يكونَ ابْنُ جُرَيج دَلَّس هَذَا الحديثَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَة، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مُوسَى؛ أخذَه مِنْ بعضِ الضِّعَفَاءِ.