تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«مِنح الوَدُود» في بيان طُرق أحاديث «الرايات السّود».

بقلم: خالد الحايك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الحمد والإحسان والجود، والصّلاة والسَّلام على نبيّه صاحب الحوض المورود والمقام المحمود، وعلى آله وأصحابه الأُسود، ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم الموعود، أما بعد:

فأحاديث الرايات السود طرقها كثيرة، مرفوعة وموقوفة ومقطوعة، وهي من أشهر الأحاديث في كتب الفتن والملاحم، وكذا أحاديث السفياني.

وكلما تعرضت الأمة لبعض الأحوال خرج علينا أُناس بمثل هذه الأحاديث وصاروا ينزلونها على الواقع دون النظر إلى صحتها أو ضعفها.

وأكثر طرق هذا الحديث في كتب الملاحم!! وأما كتب السنن المشهورة فليس فيها إلا طريق أو اثنين.

وهذا تفصيل لهذه الطرق وبيان حكمها، سلكتها في دُرّ منضود منحة من الله الغفور الودود.

· حديث ثَوبان:

روى الإمام أحمد في «مسنده» قال: حدثنا وَكِيعٌ، عن شَرِيكٍ، عن عَلِيِّ بن زَيْدٍ، عن أبي قِلاَبَةَ، عن ثَوْبَانَ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إذا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قد جَاءَتْ من قِبَلِ خُرَاسَانَ فائْتُوها فإن فيها خَلِيفَةَ اللَّهِ المهدي».

قلت: شريك القاضي وعلي بن زيد بن جُدعان ضعيفان، لا يُحتج بحديثهما.

وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية» وأعله بعلي بن زيد.

قال: "وأما حديث ثوبان، ففيه علي بن زيد. قال أحمد ويحيى: ليس بشيء".

· تعقّب ابن حجر لابن الجوزي:

وقد تعقبه الحافظ ابن حجر في «القول المسدد في الذب عن مسند أحمد» فقال: "أخرجه ابن الجوزي في كتاب الأحاديث الواهية، وفي طريق ثوبان: علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف، ولم يقل أحد إنه كان يتعمد الكذب حتى يحكم على حديثه بالوضع إذا انفرد! وكيف وقد توبع من طريق آخر رجاله غير رجال الأول، أخرجه عبدالرزاق والطبراني، وأخرجه أحمد أيضاً والبيهقي في الدلائل من حديث أبي هريرة يرفعه: يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء، وفي سنده رِشدين بن سعد، وهو ضعيف".

· حديث رِشدين لا يخرج الحديث عن كونه موضوعاً!

قلت: لم يقل أحد من أهل العلم أن ابن جدعان يتعمد الكذب، والحكم على ما يرويه بالوضع لا يستلزم أن يكون كذّاباً أو وضّاعاً، فربّ ثقة يروي حديثاً موضوعاً يكون قد أخطأ فيه فقرأه فلزق به.

والضعيف ضعفاً شديداً مثل علي بن زيد بن جدعان يروي الأحاديث المكذوبة والموضوعة بسبب ضعفه وعدم اتقانه. فربما يهم الضعيف فيروي الموضوع دون أن يدري، أو تختلط عليه الأسانيد، وغير ذلك.

وأما حديث رِشدين بن سعد فلا يقوي حديث ابن جدعان، فكلاهما ضعيف جداً، ولا ينفي أن هذا الحديث موضوع، فالكلام فيه كما هو الكلام في ابن جدعان، بل أشد، فكان لا يبالي ما دُفع إليه فيقرأه، فكثرت المناكير في حديثه.

وحديث رِشدين رواه الإمام أحمد في «مسنده» قال: حدثنا يحيى بن غَيْلاَنَ وَقُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ قَالاَ: حدثنا رِشْدِينُ بن سَعْدٍ - قال يحيى بن غَيْلاَنَ في حَدِيثِهِ قال: حدثني يُونُسُ بن يَزِيدَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عن قَبِيصَةَ بن ذؤيب، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «يَخْرُجُ من خُرَاسَانَ رَايَاتٌ سُودٌ لاَ يَرُدُّهَا شيء حتى تُنْصَبَ بِإِيلِيَاءَ».

ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (4/ 31) ثم قال: "لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يونس، تفرد به رِشدين! ".

ورواه ابن عساكر في «تاريخه» (32/ 281) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا رشدين عن عُقيل ويونس عن ابن شهاب، به.

فجمع رشدين بين عقيل ويونس عن الزهري!! وهذا الحديث لم يروه أصحاب الزهري، ولا يُعرف إلا من طريق رِشدين، ولا يُحتج به.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٣٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٣٧٤