تحقيق التراث
في عِلم التَّحقيق ... «النُّقطة» تتلاعب بالمُحققين!
علم التحقيق علم وعر وصعب؛ لأن المحقق يتعامل مع نصوص قديمة، وخطوط مختلفة، بعضها من مؤلفيها، وأكثرها من النّسّاخ، وكثير من هؤلاء النساخ يحترفون هذه الحرفة ولا علاقة لهم بعلوم الشريعة، فتكثر عندهم التصحيفات والتحريفات.
وقد تكون النسخ مضبوطة لكن يخطئ المحقق في قرائتها، وخاصة في الكلمات المتشابهة في الرسم، وأكثر ما يحصل الخطأ في مسألة وجود النقط على الحروف فيقع المحقق في أوهام نتيجة الخطأ في قراءة الكلمة!
ولنأخذ مثالاً على «نقطة» تلاعبت بالمحققين فوهموا في تعليقاتهم!
روى الإمام أحمد في «مسنده» [طبعة الرسالة] (31/ 427) في مسند «عَبْداللهِ بنِ قُرْطٍ» (19075) قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَاشِدُ بنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ لُحَيٍّ، (2) عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ قُرْطٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ». وَقُرِّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسُ بَدَنَاتٍ أَوْ سِتٌّ يَنْحَرُهُنَّ فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ، أَيَّتُهُنَّ يَبْدَأُ بِهَا، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ كَلِمَةً خَفِيَّةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَسَأَلْتُ بَعْضَ مَنْ يَلِينِي: مَا قَالَ؟ قَالُوا: قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».
قال محقق المسند الشيخ شعيب الأرنؤوط ورفاقه في هامش (2) عند كلمة «لُحيّ»: "في النسخ غير هامش (ظ 13): نجي، وهو تحريف، والمثبت من هامش (ظ 13)، و"أطراف المسند" 4/ 119".
وكذا فعل محققو «المسند» طبعة عالم الكتب! فإنهم أثبتوا في الأصل «لُحيّ»، وقالوا في هامش (1): "تحرّف في الميمنية و (ص) و (م) إلى «نُجي»، والصواب: «لُحيّ» كما جاء في (ق) و «جامع المسانيد» و «السنن» 3/الورقة 85، وانظر: «تهذيب الكمال» 15/ 485 (3512) ".
وهذا الحديث أخرجه المزي في «تهذيب الكمال» في ترجمة «عبدالله بن قرط» من طريق «مسند أحمد» (15/ 445) قال: أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ قُدَامَةَ، وأَبُو الْحَسَنُ بْنُ الْبُخَارِيِّ، وأَبُو الْغَنَائِمِ بْن علان، وأحمد بْن شيبان، قَالُوا: أخبرنا حنبل، قال: أخبرنا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابْنُ الْمُذْهِب، قال: أخبرنا القَطِيعِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبد اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قال: حَدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيد، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، قال: حَدَّثَنِي رَاشِدُ بْن سَعْد، عَنْ عَبد اللَّهِ بْنِ لُحَيٍّ (3)، عَنْ عَبد اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ ... وذكره.
قال محقق التهذيب الدكتور بشار معروف في هامش (3): "في المطبوع من المسند "نجي" وهو تصحيف".
قلت: هكذا حكم المحقق شعيب الأرنؤوط على خطأ ما في النسخ، واعتمد الصواب من هامش نسخة للمسند! وكذا حكم محققو المسند (طبعة عالم الكتب) على تحريف ما في النسخ!!
فهل يترك االمحقق كلّ النسخ ويعتمد على ما في هامش إحدى النسخ؟! أو بعض الكتب الأخرى التي أثبتت الصواب ولم تلتفت إلى الأصل في حديث أحمد وإن كان خطأ من الراوي!!
ثم ما قاله بشار معروف من خطأ ما في المطبوع من المسند قاله دون تحقيق!
نعم، في مخطوط كتاب المزي «تهذيب الكمال» كأنها «لحي» لأن النقط ليس واضحاً عليها، ولأن الصواب في اسمه هو «بن لحي» جزم بأن ما في المسند خطأ! وليس كذلك!!
فالذي في «مسند أحمد»: «نُجّي» بالنون مضغراً هو الصواب، ولهذا جاء في كل النسخ هكذا، وإنما اعتمد الشيخ شعيب على ما في هامش إحدى النسخ!
ونحن نتكلم على ما جاء في نسخة المسند لا تصحيح الاسم، وإلا فإن الصواب في اسمه «لُحي» باللام والحاء المهملة.