«دواءُ العَينين» في بيان حَال حديث «إِذا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْن»!
دقائقُ الاستنباط في إثباتِ سماع خالد الطحّان من الجُريري بعد الاختلاط.
بقلم: خالد الحايك
روى الإِمام مسلمٌ في «صحيحه» (3/ 1480) قال: حَدَّثَنِي وَهْبُ بنُ بَقِيَّةَ الْوَاسِطِيُّ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بنُ عَبْدِاللهِ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا».
ورواهُ أبو عوانة في «المستخرج على صحيح مسلم» (4/ 411)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (8/ 144) من طريق عَمْرو بن عَوْنٍ الواسطيّ، عَنْ خَالِد بن عبدالله الطحّان الواسطي، به.
قلت: تفرّد به خالد الطحان عن الجريري! لم يروه عنه غيره! ولم يروه عن أبي نضرة العبدي إلا الجُريري!!
وقد استنكر هذا الحديث الإمام أحمد والعقيليّ وعلّله ابن القطان.
قال الأثرم: قال أحمد: "وهذَا إِنَّمَا لَيَسْنِدُوهُ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، مِنْ حَدِيثِ خَالِدٍ لا يَرْوِيهِ غَيْرَهُ". قُلْتُ: مَا لَهُمْ يَقُولُونَ سَمَاعَ خَالِدٍ بَعْدَ الاخْتِلاطِ؟ قَالَ: "لا أَدْرِي".
وقال العقيلي في «الضعفاء» بعد أن ضعف هذا الحديث من طريق آخر: "ولا تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْمُتُونِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَيْءٌ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ".
وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» بعد أن ذكر الحديث: "وَقَدْ ضَعَّفَ الْعُقَيْلِيُّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ كُلَّهَا".
وَأعله ابْن الْقطَّان بِسَعِيد الجُريري، فَإِنَّهُ مختلط. قال في «بيان الوهم» (4/ 339): "وذكر من طَرِيق مُسلم حَدِيث أبي سعيد: (إِذا بُويِعَ لخليفتين). وَلم يبين أَنه من رِوَايَة سعيد الْجريرِي، وَهُوَ مختلط، يرويهِ عَنهُ خَالِد بن عبدالله. وَهَذَا من عمله متكرر، يصحح أَحَادِيثه من غير اعْتِبَار لقديم مَا رُوِيَ عَنهُ من حَدِيثه".
قلت: فكأنه يميل إلى أن خالداً روى عن الجريري بعد اختلاطه، وقد توقف في ذلك الإمام أحمد كما سبق، وسنحقق في هذه المسألة لاحقاً إن شاء الله.
وعليه فإن هذا الحديث فيه علل:
الأولى: تفرد خالد الطحان به عن الجريري دون أصحابه!
الثانية: اختلاط الجريري، وهل سمع منه خالد قبل الاختلاط أم بعده؟!
وقد عدّ الذهبي هذا الحديث من غرائب الجريري كما قال الإمام أحمد. قال في «السير» (6/ 155): "وقال - أي أحمد-: ومن غرائب الجريري حديث مسلم: (إذا بويع لخليفتين، فاقتل الأحدث منهما)، وحديث: (لا تقل: عليك السلام، فإنها تحية الميت) ".
وقال في «الميزان» (2/ 128): "وللجريري حديث: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأحدث. وحديث: عليك السلام تحية الميت".
الثالثة: تفرد الجريري به عن أبي نضرة دون أصحابه الثقات كقتادة وغيره.
الرابعة: الكلام في أبي نضرة، وهو المنذر بن مالك العبدي البصري، من التابعين، وثقه يحيى بن معين وجماعة، وقال ابن سعد: ثقه، وليس كل أحد يحتج به.
وأورده العقيلي في الضعفاء وما ذكر شيئاً يدل على لينه، وكذا ذكره صاحب الكامل ولم يذكر شيئاً أكثر من أنه كان عريفاً لقومه، ولم يحتج به البخاري.
وقال ابن حبان في الثقات: "كان ممن يُخطئ".
والخلاصة أن وصفه بالخطأ وإعراض البخاري عن التخريج له يدلّ على ينبغي التحرز مما ينفرد به عن بعض الصحابة ممن لهم أصحاب ثقات كبار!!
الخامسة: نكارة المتن! حيث إن ذكر لفظ "الخليفة" في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي استقر عليه الأمر فيما بعد منكر! - وما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة من لفظ الخليفة فإنما هو رواية بالمعنى للفظ الأمير-، ولما بايع الناس عبدالله بن الزبير عند موت يزيد سنة أربع وستين، وحكم على الحجاز، واليمن، ومصر، والعراق، وخراسان، وبايع أهل الشام مروان وغلب عليها، ثم غلب على مصر! لم نجد أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستدلّ بهذا الحديث على هذه المسألة العظيمة!