تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإِشَارَة إِلى عدم طلب أبي ذرٍّ للإِمارة!

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أما بعد:

فقد حذر النبيّ صلى الله عليه وسلم من طلب الإمارة والحرص عليها.

روى البخاري في «صحيحه» من حديث أبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ على الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يوم الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ».

وكان يوصي أصحابه بعدم سؤالها لعظم مسؤوليتها، فقد روى البخاري أيضاً في «صحيحه» من حديث عبدالرحمن بن سَمُرَةَ قال: قال لي رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يا عَبْدَالرحمن بن سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عليها».

والصحابة عموماً لم يكونوا يسألون الإمارة وخاصة الذين كانوا يلازمونه صلى الله عليه وسلم، وكان يطلبها بعض الناس.

روى البخاري في «صحيحه» من حديث أبي مُوسَى الأشعريّ رضي الله عنه، قال: دَخَلْتُ على النبي صلى الله عليه وسلم أنا وَرَجُلَانِ من قَوْمِي، فقال أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا يا رَسُولَ اللَّهِ، وقال الْآخَرُ مثله، فقال: «إِنَّا لَا نُوَلِّي هذا من سَأَلَهُ، ولا من حَرَصَ عليه».

هذا كان منهجه صلى الله عليه وسلم شفقة على من يريد الإمارة وعظم تبعاتها التي تجعل كثيراً ممن يحرصون عليها أن لا يعدلوا فيها.

وقد جاء في بعض الأحاديث أن أبا ذرّ – رضي الله عنه – قد طلب الإمارة مع أنه عرف بالزهد والبعد عن الدنيا!

فقد روى الإمام مسلم في «صحيحه» (3/ 1457) قال: حدثنا عبدالمَلِكِ بن شُعَيْبِ بن اللَّيْثِ، قال: حدثني أبي شُعَيْبُ بن اللَّيْثِ، قال: حدثني اللَّيْثُ بن سَعْدٍ، قال: حدثني يَزِيدُ بن أبي حَبِيبٍ، عن بَكْرِ بن عَمْرٍو، عن الحَارِثِ بن يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ، عن ابن حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ، عن أبي ذَرٍّ قال: «قلت يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا تَسْتَعْمِلُنِي! قال: فَضَرَبَ بيده على مَنْكِبِي، ثُمَّ قال: يا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يوم الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلا من أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الذي عليه فيها».

قال: حدثنا زُهَيْرُ بن حَرْبٍ وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن المُقْرِئِ - قال زُهَيْرٌ: حدثنا عبداللَّهِ بن يَزِيدَ، قال: حدثنا سَعِيدُ بن أبي أَيُّوبَ، عن عُبَيْدِاللَّهِ بن أبي جَعْفَرٍ القُرَشِيِّ، عن سَالِمِ بن أبي سَالِمٍ الجَيْشَانِيِّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «يا أَبَا ذَرٍّ، إني أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لك ما أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ على اثْنَيْنِ، ولا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ».

قلت: أما الحديث الثاني فلا غبار عليه، وهو يُبيّن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ذر مما عرف عنه من زهده وشده إنفاقه، ولهذا قال له بأنه ضعيف، وأوصاه بأن لا يكونن أميراً على اثنين، ولا يتولين مال يتيم؛ لأنه عرف من خلال شخصيته أنه لن يؤدي حقّ هذه الولاية.

قال الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (2/ 75): "وقدْ قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي ذَرٍّ، مَعَ قُوَّةِ أَبِي ذَرٍّ فِي بَدَنِهِ وَشَجَاعَتِهِ: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيْفاً، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، ولا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيْمٍ).

فَهَذَا مَحْمُوْلٌ عَلَى ضَعْفِ الرَّأْيِ؛ فإِنَّهُ لو وَلِيَ مَالَ يَتِيْمٍ لأَنْفَقَهُ كُلَّهُ فِي سَبِيْلِ الخَيْرِ، وَلَتَرَكَ اليَتِيْمَ فَقِيْراً. فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ كَانَ لاَ يَسْتَجِيْزُ ادِّخَارَ النَّقْدَيْنِ.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٣١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٣١٦