وقد تابع شريكاً في روايته عن سماك: أسباط بن نصر. رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (2/ 250) رقم (8672) و (2/ 326) رقم (9538) عن عمرو بن حماد بن طلحة عن أسباط به.
وقد ذكر الهيثمي هذا الحديث في ((مجمع الزوائد)) (3/ 177)، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط عن أبي بكر بن أبي شيبة وجادة عن خط أبيه، ورجاله ثقات".
قلت: لم يروه الطبراني في الأوسط بل رواه في الكبير والصغير كما تقدم. ورجاله ثقات كما قال، ولكن الهيثمي لا يحسن التعليل فتغيب عنه العلل، ونظرته إلى الأحاديث سطحية جداً!
وقد أشار الدكتور محمد بن عبدالمحسن التركي محقق ((مسند الطيالسي)) إلى أن رواية شعبة هي متابعة لرواية شريك عن سماك، وعزاها لابن أبي شيبة والطبراني (2/ 133).
قلت: هذه الرواية عن شعبة لم تصح! فشعبة لم يروها عن سماك، وهي خطأ عليه؛ فكيف عدها الدكتور متابعة؟!! وكذلك فإن عزوه هذه الرواية لابن أبي شيبة يوهم أنه خرجها في ((مصنفه)) وليس كذلك؛ فإنه لم يخرجها فيه. وإنما رواها الطبراني من طريقه؛ وكأن ابن أبي شيبة أملاها على تلامذته، والله أعلم.
وكتب: خالد الحايك.
فقه الحديث
«تنزيل النصوص على الواقع وتكييف الواقع لمطابقة النصوص» (5)
«الطائفة المنصورة» واحتكار تمثيل الإسلام بين الخصوم!
…الدكتور خالد الحايك*
تُعدّ الأحاديث الخاصة بموضوع الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أحد أكثر المفاهيم المتداولة في المجال التاريخي الإسلامي القديم والحديث، وإذا كانت صحة أحاديث الفرقة الناجية متنازعة قديماً وحديثاً، فإن أحاديث الطائفة المنصورة تتمتع بالقبول والصحة من ناحية النقد الحديثي، إلا أن التنازع في فقه الحديث ودلالته على طائفة محددة في الزمان والمكان لم ينقطع بين الفرقاء والخصوم، نظراً لما فيه من البشريات التي يستحضرها النّاس في الأيام العصيبة والمحن والفتن بوجود «طائفة منصورة» معتصمة بالحق ومؤيدة بالصواب رغم كثرة الأهواء والبدع؛ فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ على الحقِّ لَا يَضُرُّهُمْ من خَذَلَهُمْ حتى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِك».
وقد اختلف أهل العلم في مفهوم هذا الحديث! ورأيت العجب العُجاب من بعض من تكلموا حول هذا الحديث حتى كاد الأمر يصل إلى الخصام بين المسلمين. وكلّ واحد يريد أن يكون هذا الحديث فيهم! وقلبوها "عنصرية" و"وطنية" مقيتة! والعجب أن بعض كبار أهل العلم من القدماء حاولوا أن يحملوا هذا الحديث كلّ على بلده وجماعته!
والحديث له عدة روايات في الصحيحين، وقد ساق الإمام مسلم روايات هذا الحديث: فبدأ بحديث ثوبان، ثم حديث المغيرة بن شعبة، ثم حديث جابر بن سَمُرة، ثم حديث جابر بن عبدالله، ثم حديث معاوية، وهذه الأحاديث الخمسة متفقة في إطلاق هذه الطائفة دون تحديد مكانها، وختم مسلم هذه الروايات بحديث سعد بن أبي وقاص الذي فيه تحديد مكان هذه الطائفة، وأنهم «أهل الغرب».
وقد ذهب جمعٌ من العُلَمَاء أن هذه الطائفة المنصورة هم أهل الحديث، كما قاله ابن المبارك، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم. وذهب عليّ بن المديني إلى أن المراد بالحديث هم: «العرب» والمراد بالغرب الدلو الكبير لاختصاصهم بها غالباً.
وقال معاذ في روايته: "هم بالشام"، وإليه ذهب كثير من أهل العلم كابن تيمية وابن كثير وغيرهما. وجاء في حديث آخر: "هم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس". وقيل: "هم أهل الشام وما وراء ذلك". وقيل المراد بأهل الغرب: "أهل الشدة والجلد وغرب كل شيء حده".
وجاء في بعض نسخ صحيح مسلم «لا يزال أهل المغرب»، فحملها بعض أهل العلم على أهل المغرب (دول المغرب العربي = المغرب وتونس وليبيا). وممن ذهب إلى أن المقصود بالحديث «أهل المغرب»: أبو العرب القيرواني (ت 333 هـ)، ومحمد بن أبي نصر الحميدي (ت 488 هـ)، وأبو بكر الطرطوشي (ت 520 هـ)، وابن الزيات (ت 617 هـ)، وعبدالواحد بن علي المراكشي (ت 647 هـ)، والقرافي (ت 684 هـ)، وغيرهم.