وقال الدارقطني: "ضعيفٌ لا تقوم به حجة". وقال الأزدي: "منكر الحديث يروي عن ابن عمر بواطيل".
قلت: نعم، كثير مما يرويه فيه نكارة، ولكن حديثه عن ابن عمر إنما جاءت النكارة فيه من ابنه محمد.
قال ابن حبان في كتاب ((المجروحين)) (2/ 265): "كان ممن أخرجت له الأرض أفلاذ كبدها، حدث عن أبيه بنسخة شبيهاً بمئتي حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره في الكتب إلا على جهة التعجب". ثُم ساق له من هذه النسخة عن أبيه عن ابن عمر (12) حديثاً، كلها موضوعة.
وقد ذكر ابن حبان عبدالرحمن في ((الثقات)) (5/ 91) فقال: "عبدالرحمن بن البيلماني مولى عمر بن الخطاب، يروي عن ابن عمر. روى عنه زيد بن أسلم وسماك بن الفضل. وهو عبدالرحمن البيلماني من الأبناء، وكان ينزل بحران. مات في أول ولاية الوليد بن عبدالملك. لا يجب أن يعتبر بشيء من حديثه إذا كان من رواية ابنه؛ لأن ابنه محمد بن عبدالرحمن يضع على أبيه العجائب".
قلت: إذا كانت العهدة في ما يرويه ابنه عنه على ابنه محمد، فعلى من العهدة فيما يرويه غير ابنه عنه، فإن ما يرويه غير ابنه عنه مناكير أيضاً، والأئمة على تضعيفه؛ وكما ذكرت كأنه كان لا يبالي عمن أخذ الحديث، فكان يروي المناكير، وكأن هذه المناكير أخذها من الضعفاء من أهل حرّان عندما نزلها، لأنها غير معروفة عند أهل المدينة، وهم أهل الحديث في ذلك الزمان، والله أعلم.
قال ابن حجر في ((التقريب)) (ص337): "عبدالرحمن بن البيلماني مولى عمر، مدني نزل حرّان. ضعيف".
2 - روى الطبري في ((تفسيره)) (4/ 301) عن محمد بن بشار قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بُشير بن كعب: أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)).
قلت: إن صحت هذه الرواية عن قتادة فتدلّ على أنه لم يدلسه؛ لأن قتادة يروي عن العلاء وعن بُشير، وبُشير بن كعب تابعي بصري ثقة، وقد أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث مرسل، وكأن هذا الحديث كان منتشراً بالبصرة، ولكن لم يسنده أحد، فيبقى ضعيفاً بسبب الإرسال.
· انتشار المراسيل في زمن مبكر:
وقد روى الإمام مسلم في ((مقدمة صحيحه)) (1/ 13) بإسناد صحيح إلى مجاهد قال: جاء بُشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدّث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركِب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف".
قلت: فهذا يدل على انتشار الأحاديث المرسلة في زمن مبكر، وكان من بين هذه الأحاديث ما لا يصح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما حدا بابن عباس -رضي الله عنها- أن ينبه إلى إسناد هذه الأحاديث وعدم إرسالها؛ لانتشار الكذب وغيره، فابن عباس رفض أن يسمع لهذا التابعي لإرساله الحديث.
قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص58): "فهذا ابن عباس رضي الله عنهما لم يقبل مراسيل بشير بن كعب، وهو من ثقات التابعين الجلة الذين لم يتكلم فيهم أحد".
قلت: وقد أحسن الإمام مسلم في وضع هذه الحكاية تحت عنوان: ((باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها)).
3 - روى الطبري في ((تفسيره)) أيضاً (4/ 301) عن محمد بن بشار قال: حدثنا عبدالأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر مثله.
ورواه إسحاق بن راهوية في ((مسنده)) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (2/ 154) عن طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عبادة.