وقد رجّحت قول الذهبي هذا على قوله في ((السير)) مع أن كتاب ((السير)) من أواخر ما صنّف، وقد حرر فيه تحريراً كثيراً؛ لأن كتاب ((نقد بيان الوهم والإيهام)) فيه تحرير خاص لكتاب بعينه، فلا يمكن أن يكون ضعفه في نقده لكتاب ابن القطان ثم مشّى إسناده في ((السير)) مع كلامه الشديد في ابن ثوبان.
فالغالب تقديم كتاب ((السير)) على غيره ما لم تأت قرينة تصرف عن ذلك، ومن القرائن هنا أن كتاب ((السير)) قد أتمّه، وكتاب نقد بيان الوهم لم يتمه؛ فكأنه بدأ به بعد ((السير))، والله أعلم.
ثُم إن ظاهر كلام أهل العلم في الرجال أنهم إذا مشّوا حال راو، ثم جاء عن الواحد منهم أنه جرحه، فإن الجرح يُقدّم، والله أعلم.
وعلى كلّ حال فإنّ ابن ثوبان لا يحتج بحديثه إذا انفرد! وقد تفرد به هنا! بل قال العقيلي: "لا يُتابع عبدالرحمن إلا من هو دونه أو مثله".
فالحديث أصله مرسل عن الحسن. وقد ذكر ابن كثير في ((تفسيره)) (1/ 465) رواية الحسن المرسلة، ثُم قال: "هذا مرسلٌ حسنٌ عن الحسن البصري".
قلت: بل ضعيف؛ فقد ضعّف الأئمة النقاد مراسيل الحسن؛ لأن كان يأخذ عن كلّ أحد، وإلاشارة السابقة من كتاب تخريج الأحاديث والآثار توحي بأن أصله من الإسرائيليات، والله أعلم.
وقد رُوي أيضاً من قول الحسن:
رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (3/ 899) من طريق حَوْشب، عن الحسن في قوله ﴿ثم يتوبون من قريب﴾، قال: "ما لم يُغرغر".
وقد روى عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان حديثاً آخر بلفظ قريب منه، عن أبيه عن مكحول عن عمر بن نعيم حدّثه عن أسامة بن سلمان: أن أبا ذر حدثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب. قالوا: يا رسول الله، وما الحجاب؟ قال: أن تموت النفس وهي مشركة)).
وقد رواه أحمد في ((المسند)) (5/ 174). ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (4/ 286) وقال: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد ولم يُخرجاه".
وصححه ابن حبان (2/ 392) فرواه من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن أسامة بن سلمان، قال: حدثنا أبو ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، به.
ثم قال ابن حبان: "ذكر البيان بأن مكحولاً سمع هذا الخبر من عمر بن نعيم عن أسامة كما سمعه من أسامة سواء"، وساقه من طريق عمرو بن عثمان، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن عمر بن نعيم: حدثهم عن أسامة بن سلمان: أن أبا ذر.
هكذا رواه الوليد بن مسلم لم يذكر في إسناده عمر بن نعيم! وقد خالفه جماعة فرووه عن ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن عمر بن نعيم عن أسامة بن سلمان منهم: علي بن الجعد وزيد بن الحباب وعلي بن عياش وعاصم بن علي والهيثم بن جميل البغدادي نزيل إنطاكية. (تاريخ دمشق: 8/ 87).
قال البزار في ((مسنده)) (9/ 444): "وهذا الكلام لا نعلمه يُروى إلا عن أبي ذر بهذا الإسناد".
فكيف يكون عند عبدالرحمن بن ثوبان عن أبيه عن مكحول حديثان في مسألة التوبة؟! وروايته عن أبيه عن مكحول منكرة، فلا يصح أيّ حديث منهما، وكلاهما منكر. والآيات في القرآن كثيرة في قبول توبة العبد مطلقاً، وهي مقبولة قبل طلوع الشمس من مغربها، فإن طلعت من مغربها فلا تقبل التوبة حينئذ.
وابن ثوبان يروي أيضاً عن الحسن بن الحرّ الكوفي الثقة (ت133هـ)، فقد يكون ابن حبان وَهِمَ في ذكره أنه يروي عن الحسن البصري! ولا مانع أن يروي عن كليهما، وليس بالضرورة أن ننفي روايته عن الحسن البصري لأن من صنّف في الرجال لم يذكروا في ترجمتهما ذلك! فهؤلاء لم يستوفوا جميع الروايات وكذلك لم يستوعبوا كلّ تلاميذ الشيوخ، وخاصة إمام كبير كالحسن البصري، فإن الرواة عنه بالمئات، ولعلهم لم يذكروا ابن ثوبان في الرواة عنه؛ لأنهم لم يقفوا على روايته عن الحسن، فيبقى ما ذكره ابن حبان له وجه، والله أعلم.