وذكر الصحابي الكوفي في «الإصابة» (4/ 619) ثم ذكر هذا فقال: "عمرو بن حريث آخر، فرّق أبو يعلى بينه وبين الأول، ونقل عن أبي خيثمة أن له صحبة. وقال ابن الأثير: لما رآه أبو خيثمة وأبو يعلى يروي عنه المصريون وهو كوفي ظناه غير الأول. قلت: وظنهما موافق للحق بالنسبة إلى أنه غيره، وأما الصحبة فمختلف فيها، وقد قاله صالح بن أحمد بن حنبل في المسائل، قلت لأبي: عمرو بن حريث الكوفي هو الذي يُحدِّث عنه أهل الشام؟ قال: لا، هو غيره. وأخرج أبو يعلى من طريق سعيد بن أيوب: حدثني أبو هانئ: حدثني عمرو بن حريث قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما خففت عن خادمك من عمله كان لك أجراً في موازينك))، وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه، ومقتضاه أن يكون لعمرو صحبة، وقد أنكر ذلك البخاري، فقال: عمرو بن حريث روى عنه حميد بن هانئ مرسلاً، وقال: روى ابن وهب بإسناده إلى عمرو بن حريث: سمع أبا هريرة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديثه مرسل. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: تابعي وحديثه مرسل. والله أعلم. وأخرج ابن المبارك في «الزهد» عن حيوة بن شريح عن أبي هانئ: سمعت عمرو بن حريث وغيره يقولون: ((إنما نزلت هذه الآية في أهل الصفة ﴿ولو بسط الله الرزق لعباد لبغوا في الأرض﴾ وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا الدنيا فتمنوا الدنيا، فنزلت))، قال ابن صاعد عقب روايته في «كتاب الزهد»: عمرو هذا من أهل مصر، ليست له صحبة، وهو غير المخزومي".
الثاني: روى الطبراني في «المعجم الكبير» (23/ 265) قال: حدثنا محمد بن صالح النرسي، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته، فقال: ((الله الله في قبط مصر؛ فإنكم ستظهرون عليهم، يكونون لكم عدة وأعواناً في سبيل الله)).
قال الهيثمي في «المجمع» (10/ 63): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح".
وذكره الشيخ الألباني في «صحيحته» برقم (3113)، قال: "أخرجه الطبراني في الكبير (23/ 265/561) قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي: ثنا بُندار. ح حدثنا محمد بن صالح النَّرسي: حدثنا محمد بن المثنى قالا: حدثنا وهب بن جرير: حدثنا أبي عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي سلمة عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته فقال ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح لا أعرف له علة؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير شيخي الطبراني، لكن الأول منهما زكريا الساجي؛ فهو ثقة حافظ مترجم في «تذكرة الحفاظ»، وقال في «الميزان»: «أحد الأثبات، ما عرفت فيه جرحاً أصلاً». وشيخه بُندار اسمه محمد بن بشار أبو بكر، وقد تابعه محمد بن المثنى، وهو المعروف بـ «الزَّمِن»، وكلاهما من رجالهما، قال الحافظ في «التقريب»: «وكان هو وبندار فَرَسي رهان، وماتا في سنة واحدة». لكن الراوي عنه محمد بن صالح النرسي لم أجد له ترجمة، وقد روى له الطبراني في «المعجم الصغير» حديثاً واحداً (129/ 147 - الروض النضير).
وبالجملة: فالحديث من طريق الساجي صحيح، وطريق النرسي شاهد قوي له. والحديث قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (10/ 63): «رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح» " انتهى كلام الشيخ الألباني.
قلت: على كلام الشيخ مؤاخذات:
أولاً: نظر الشيخ إلى ظاهر الإسناد فصححه ونفى أن يكون له علة! مع أن أهل العلم تكلموا في رواية يحيى بن أيوب المصري وقالوا بأنه سيء الحفظ يضطرب في حديثه، فهو ليس بالقوي، ولهذا انتقى له البخاري وأخرج له مقروناً بغيره.
ومع هذا فإن العلة الحقيقية هي في رواية وهب بن جرير عن أبيه عن يحيى؛ فقد نصّ بعض أهل النقد أن هذه النسخة التي يرويها وهب بن جرير عن أبيه عن يحيى اشتبهت على وهب، وإنما هي نسخة أبيه جرير بن حازم عن ابن لهيعة.