تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والوهم في هذا الإسناد إما من وهب بن جرير، فإنه كان -رحمه الله- يتفرد عن أبيه بأشياء. وهو ثقة، وكان يخطئ.

قال ابن حبان في «الثقات» (9/ 228): "وهب بن جرير بن حازم أبو العباس العتكي الأزدي من أهل البصرة، يروى عن شعبة وأبيه، روى عنه بندار وأهل البصرة، مات سنة ست أو سبع ومائتين، كان يخطىء".

وإما أن يكون من أبيه جرير، وكان -رحمه الله- يهم في الشيء بعد الشيء؛ لأنه كان يحدّث من حفظه، وحديثه عن المصريين لا يعتمد إذا خالفهم، فالعمدة في ذلك أهل مصر.

والظاهر أن الوهم من جرير -رحمه الله- دخل عليه من الحفظ، فلما كان يحفظ بعض الأحاديث عن أبي بصرة الغفاري عن أبي ذر، سلك في هذا الحديث الجادة، فأغرب في الإسناد! ويحتمل أنه في كتابه هكذا، والله أعلم. وقد وجدت لوهب عن أبيه أحاديث من هذه البابة.

· سبب خروج أبي ذرّ من مصر - كما في الرواية-: «فإذا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فيها في مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ منها. قال: فَرَأَيْتُ عَبْدَالرحمن بن شُرَحْبِيلَ بن حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ في مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ منها».

قلت: هذا نكارة في الحديث! فكيف يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الخروج منها بسبب النزاع في موضع لبنة؟!!

النزاع بين الناس يكون في كل مكان، فلم يخص الخروج من مصر إذا حدث النزاع فيها؟ وهذا سيؤدي إلى ترك البلاد بأكملها في نهاية المطاف!!

وأما عبدالرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخوة ربيعة:

فقال ابن حجر في «الإصابة» (2/ 504): "ربيعة بن شرحبيل بن حسنة، له رؤية، سيأتي ذكر أبيه. قال ابن يونس: شهد فتح مصر، ويقال: إن عمرو بن العاص كان يستعمله على بعض العمل، وروى عنه ابنه جعفر ويناق مولاه".

ثم قال: "ربيعة بن شرحبيل بن حسنة، ذكره محمد بن الربيع بن سليمان الجيزي فيمن دخل مصر من الصحابة، فقال: وممن شهد فتحها وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام، وأخوه عبدالرحمن بن شرحبيل".

قلت: هما واحد، ولا أدري لما فصلهما!!

وقال أيضاً (5/ 38): "عبدالرحمن بن شرحبيل بن حسنة، تقدم ذكر أبيه، وأما هو فذكره محمد بن الربيع الجيزي فيمن دخل مصر من الصحابة وشهد فتحها، وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعرف له عنه حديث هو وأخوه ربيعة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: يروي عن أبيه وله صحبة، روى عنه أهل مصر. قلت: والضمير في قوله: وله صحبة، لأبيه".

قلت: هما معدودان في أهل مصر، ولهذا جاء ذكرهما في هذه الرواية، ولكن جعل نزاعهما هو السبب في خروح أبي ذر من مصر فيه نظر! ولو كان هذا صحيحا لانتشر عند المصريين، والله تعالى أعلم.

· شواهد أخرى:

للأحاديث السابقة شواهد أخرى، هي:

الأول: روى أبو يعلى «مسنده» (3/ 51) عن أبي خيثمة زهير بن حرب، قال: حدثنا عبدالله بن يزيد، قال: حدثنا حيوة، قال: أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ الخولاني: أنه سمع أبا عبدالرحمن الحبلي - وهو عبدالله بن يزيد- وعمرو بن حريث، وغيرهما يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنكم ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم، فاستوصوا بهم خيراً؛ فإنهم قوة لكم وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله - يعني قبط مصر-)).

ورواه ابن حبان في «صحيحه» (15/ 69) (باب: ذكر الإخبار عن تقوي المسلمين بأهل المغرب على أعداء الله الكفرة) عن أبي يعلى، به.

قال الهيثمي في «المجمع» (10/ 64): "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح".

قلت: هذا مرسل، ولا أدري كيف صححه ابن حبان! وكأنه اشتبه عليه بعمرو بن حريث الصحابي، وسيأتي الكلام عليه قريباً إن شاء الله.

قال عبّاس الدوري في «تاريخ ابن معين» (4/ 447): سمعت يحيى يقول: "عمرو بن حريث الذي روى عنه أبو هانئ: استوصوا بالقبط خيراً، هو عمرو بن حريث ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، إنما هو رجلٌ من أهل مصر".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٥٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٥٩٨