قلت: بيّن البخاري اتفاق الليث بن سعد ومالك عن الزهري عن ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
وخالف الوليد فرواه عن الأوزاعي عن الزهري به متصلاً، وقد تقدّم الكلام على هذا الإسناد. وأما رواية محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري فالزبيدي من أصحاب الزهري الثقات، ولكن هذه الرواية عنه من رواية بقية بن الوليد، فزاد فيها: "عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، وهذا يخالف ما رواه الثقات عن الزهري، وبقية متكلّم فيه كما هو معروف.
والذي أراده البخاري من هذا العرض لهذه الأسانيد أن يُبين أن الصواب فيه الإرسال، ووهم من وصله.
· وهم للهيثمي في «مجمع الزوائد»!
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 63): "وعن كعب بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا فتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيراً؛ فإن لهم دماً ورحماً))، وفي رواية: ((إن لهم ذمة)) - يعني أن أم إسماعيل كانت منهم. رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح".
قلت: قد تبيّن لنا أن الإسنادين اللذين رواهما الطبراني فيهما علة، ولا يصح الحديث عن كعب بن مالك، وإنما الصواب: عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك مرسلاً.
· تعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وسعيد اللحام على هذا الحديث:
قال محققو «مسند أحمد» (35/ 409) في الحاشية: "وفي الباب عن كعب بن مالك عند عبدالرزاق (9996) و (9997) و (9998)، وابن عبدالحكم في ((فتوح مصر)) ص3، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (2364) و (2365) و (2366)، والطبراني في ((الكبير)) 19/ (111) و (112) و (113)، والحاكم 2/ 553، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) 6/ 322 مرفوعاً بلفظ: ((إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً)) ... وإسناده صحيح" انتهى.
قلت:
أولاً: خلط هؤلاء المشايخ في التخريج بين الروايات المرسلة والموصولة! فالروايات التي ساقها عبدالرزاق في مصنفه كلها مرسلة، وظاهر تصرفهم يوهم أنها متصلة، وليس كذلك كما قدمت الكلام عليها.
ثانياً: قولهم: "إسناده صحيح"! ليس بصحيح، وقد قدمت بيان علل هذه الروايات التي ذكروها، ولله الحمد.
· الشاهد الذي أخرجه مسلم في «صحيحه»:
روى الإمام مسلم في «صحيحه» (4/ 1970) قال: حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال: أَخْبَرَنِي حَرْمَلَةُ [ح].
وحَدَّثَنِي هَارُونُ بنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال: حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ -وَهُوَ ابنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ- عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شَماسة الْمَهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضاً يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا. فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا)). قَالَ: "فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِالرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ ابنِ حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجَ مِنْهَا".
قال: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ وعُبَيْدُاللَّهِ بنُ سَعِيدٍ قَالا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شَماسة، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، نحوه.
ورواه الإمام أحمد في «مسنده» (5/ 173) عن وَهْب بن جَرِيرٍ، به.
ثُم رواه عن هَارُون، عن ابنُ وَهْبٍ، عن حَرْمَلَةُ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شَماسة، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
ورواه ابن حبان في «صحيحه» (5/ 67) (باب: ذكر الإخبار عن فتح الله جل وعلا على المسلمين أرض بربر) عن محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني حرملة بن عمران، عن عبدالرحمن بن شَماسة المهري، قال: سمعت أبا ذر، فذكره.