فهاتان روايتان لإبراهيم هذا عن سويد قد تفرد ببعض ألفاظهما، فلا يُقبل هذا منه.
وقد أشار إلى مثل تفرداته هذه الحافظ ابن حجر، وكأنه يتوقف في بعض ما يرويه؛ فإنه لما ذكر حديثه في «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» (2/ 162) عن سويد، قال: «بلغ عمر أن عماله يأخذون الجزية من الخمر، فناشدهم ثلاثاً، فقال له بلال: إنهم ليفعلون ذلك، قال: فلا تفعلوا، ولوهم بيعها؛ فإن اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها».
قال ابن حجر: "وفي إسناده إبراهيم بن عبدالأعلى، والله أعلم".
قلت: فكأنه يتوقف في هذه الرواية من أجل إبراهيم هذا، والله أعلم.
والخلاصة عدم ثبوت اللفظة التي تفرد بها إبراهيم عن سويد.
· رواية أخرى معلولة يستخدمها بعض الناس كشاهد للأحاديث السابقة!
روى ابن أبي عاصم في كتاب «السنة» (2/ 492) عن هشام بن عمّار، قال: حدثنا مُدْرِك بن سعد، قال: سمعت حيان أبا النضر قال: سمعت جُنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «اسمع وأطع في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثره عليك؛ وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك».
ورواه ابن حبان في «صحيحه» (10/ 425) عن الحسين بن عبدالله بن يزيد القطان عن هشام بن عمار، به. ولفظه: «وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إلا أن يكون معصية».
ورواه أيضاً (10/ 428) من طريق الهيثم بن خارجة عن مدرك بن سعد الفزاري أبي سعيد، به.
ورواه ابن عساكر في «تاريخه» (57/ 184) من طريق علي بن حجر عن مدرك بن أبي سعد، به.
وللحديث قصة رواها ابن عساكر في «تاريخه» (15/ 374) من طريق أبي علي بن منير: أنَّ محمد بن خريم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا مدرك بن أبي سعد قال: أتينا يونس بن حلبس عائدين له في بيته، وكان عنده شيخ أكبر منه يُقال له: أبو النضر، اسمه حيان القارئ فقال يونس: يا أبا النضر، الحديث الذي حدثتنا، فقال أبو النضر: حدثني جنادة بن أبي أمية الأزدي عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يا عبادة، اسمع وأطع في يسرك وعسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك؛ وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، إلا أن يكون معصية بواحاً)).
قلت: وهذا الزيادة تفرّد بها مدرك بن سعد، وهو قليل الحديث، وهو مستور الحال وإن وثقه بعض أهل العلم.
قال يزيد بن محمد بن عبدالصمد وعثمان الدارمي وأبو حاتم الرازي: "ثقة".
وقال أبو حاتم أيضاً وأبو داود: "لا بأس به".
وقال أبو زرعة الدمشقي عن أبي مُسهر: "صالح".
وقال أيضاً: سألت أبا مسهر عنه؟ فقال: "لا بأس به، يؤخذ من حديثه المعروف".
قلت: أبو مسهر عالِم الشام ولم يوثقه التوثيق المعتبَر عند أهل النقد، ومن أطلق التوثيق فيه ليس من أهل الشام العارفين بحديث الرجل، وهو كما ذكرت مستور الحال، ولهذا قال أبو مسهر: "صالح"، وقال: "يؤخذ من حديث المعروف"، أي الحديث الذي يُتابع عليه، ويرد ما تفرد به.
ونحن لا نشك أنه سمع هذا الحديث من أبي النضر بحسب القصة التي ساقها ابن عساكر، ولكنه زاد في الحديث لفظة تفرد بها عن أبي النضر، وغير أبي النضر لا يذكر هذه الزيادة.
وقد خالفه في هذا أيضاً سعيد بن عبدالعزيز عن أبي النضر كما سيأتي.
روى الإمام أحمد في «المسند» (5/ 321) عن الوليد بن مسلم، قال: حدثني الأوزاعي، عن عُمير بن هانئ: أنه حدّثه عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك ولا تنازع الأمر أهله، وإن رأيت أن لك)).
ثم رواه عن الوليد بن مسلم، قال: حدثنا سعيد بن عبدالعزيز، عن حَيَّان أبي النضر: أنه سمع من جنادة يُحدث عن عبادة، بمثله.
قلت: فأشار الإمام أحمد إلى رواية سعيد بن عبدالعزيز التنوخي الدمشقي عن أبي النضر مثل رواية عمير بن هانئ، ليس فيها: «وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك»!