وأما زعم موافقة الذهبي له فهذا من أوهام وخيالات بعض المتأخرين ومن مشى خلفهم من المعاصرين.
3 - قال الشيخ: "وأما قول الشيخ الكشميري في ((التصريح بما تواتر في نزول المسيح)) بعد أن عزاه لابن أبي شيبة وابن عساكر: ((وبعض ألفاظه يتحد مع ما عند البخاري، فهو قوي إن شاء الله)). فمما لا وزن له عند العارفين بطرق التصحيح والتضعيف، لأن اتحاد بعض ألفاظه بما عند البخاري لا يستلزم تقوية الحديث برمته، بل قد يكون العكس في كثير من الأحيان، وهو المعروف عندهم بالحديث الشاذ أو المنكر، ويأتي الإشارة إلى لفظة منها قريباً، وقد خرجت في ((الضعيفة)) نماذج كثيرة من ذلك ... ومثله قول الشيخ عبدالله الغماري في ((عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى عليه السلام)) ونقله الشيخ أبو غدة في تعليقه على ((التصريح)): ((وهو حديث صحيح))! أقول: لا قيمة لهذا أيضاً لأنه مجرد دعوى يستطيعها كل أحد مهما كان جاهلاً بهذا العلم الشريف، وقد رأيت الغماري واسع الخطو في تصحيح ما لا يصح من الحديث في كتابه الذي سماه: ((الكنز الثمين))، وقد تعقبته في كثير من أحاديثه، وبينت ضعفها ... وقد بينت لك آنفاً أن إسناد الحديث صحيح لمجيئه من طرق صحيحة عن سبيع، ولأن أبا عوانة صححه أيضاً بإخراجه إياه في ((صحيحه))، وهو ((المستخرج على صحيح مسلم))، وتصحيح الحاكم أيضاً والذهبي، وإنما رددت قول الحافظ فيه: ((مقبول)) لأنه يعني عند المتابعة، وإلا فهو لين الحديث عنده، كما نص عليه في مقدمة ((التقريب)). وكأنه لم يستقر على ذلك، فقد رأيته في ((فتح الباري)) (13/ 35 - 36) ذكر جملاً من هذه الطريق لم ترد في غيرها، فدل ذلك على أن سبيعاً هذا ليس لين الحديث عنده، لأن القاعدة عنده أن لا يسكت على ضعيف. والله أعلم. قلت: وفي هذه الطريق الزيادات الأخرى والروايات المشار إليها بقولي: ((وفي طريق ... )) مما لم يذكر في الطرق المتقدمة، موزعة على مخرجيها، وفيها أيضاً الزيادة الثالثة. وفي بعض الطرق رواية مستنكرة بلفظ: ((خليفة الله في الأرض)) تقدم الكلام عليها تحت حديث صخر بن بدر عن سبيع برقم (1791) ".
قلت:
أولاً: هذا الذي ذكره الشيخ - رحمه الله - صحيح، ولكنه كما عاب على غيره في تصحيح ما هو شاذ أو منكر، وقع هو نفسه فيه! فبعض الألفاظ في الرواية المنقطعة عند مسلم، وبعضها في رواية سبيع منكرة، والشيخ يُنازع في تصحيحها، فكما أنه يُعيب على غيره هذا الفعل، وأيضاً هو يُعاب عليه هذا، وهذا الذي جمعه من ألفاظ قد رأى صحتها فيه نظر كما سبق بيانه.
ثانياً: سبق التعليق على قوله في سبيع: "ثقة"!
ثالثاً: تخريج أبي عوانة له، نعم يعني تصحيحه له، وهذا تحصيل حاصل، فهو إنما يستخرج على كتاب الإمام مسلم، فإسناده يلتقي مع إسناد مسلم، فإقحامه هنا لا داعي له.
وأما تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي، فقد سبق الكلام عليه.
رابعاً: نعم ابن حجر بمقبول، يعني عند المتابعة، ولكن الشيخ ذهب إلى خلافه! فكأن ابن حجر يرى أنه لين بذلك؛ لأنه لم يتابع! والحقيقة أن ابن حجر يرى أنه قد توبع برواية أبي سلام كما بينته، ولهذا ذكر جملاً منه في شرحه لصحيح البخاري، وهذا الذي أصّله الشيخ فيما يتعلق بهذا الأمر مبني على فهمه أن ابن حجر يرى أنه لين الحديث، ولكنه في في الفتح يرى أنه ليس كذلك، وهذا ممكن لو كان ما فهمه الشيخ صحيح، ولكنه مُنازع في هذا الفهم.
خامساً: استنكر الشيخ ما في بعض الروايات: ((خليفة الله في الأرض))، ولهذا لم يوردها في ما جمعه من ألفاظ هذا الحديث.
وهذا اللفظ في رواية أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي التياح عن صخر عن سبيع.
وهذا يعني أن في بعض ألفاظ الحديث نكارة، فكما استنكر الشيخ بعض ألفاظه، ونحن كذلك نستنكر ما أنكرناه فيما مضى من ألفاظه؛ لعدم وجودها في رواية أبي إدريس الخولاني الذي ضبط هذا الحديث عن حذيفة، وسبيع لا يُقارن به؛ فالأول معروف ومشهور وهو من أتقن الناس، والأخير لا يُعرف إلا في هذا الحديث!