والذي يتحصل لنا من هذه الزيادات على حديث حذيفة الذي رواه أبو إدريس الخولاني:
1 - ضرب الظهر وأخذ المال وقصة السيف.
2 - الحث على تعلم كتاب الله والعمل به عند وقوع الفتن.
3 - قصة الدّجال وما معه.
4 - ما ذكر لو أن فرساً أنتجت لم تركب فلوها حتى تقوم الساعة.
أما الأولى والرابعة فمنكرة.
والثانية في الحث على تعلم كتاب الله والعمل به فلا يكون فقط عند وقوع الفتن، بل هو دائم، وله شواهد من طرق أخرى، وهذا يؤكد أن ما في قصة اليشكري مما اشتهر عند الناس لوروده من طرق أخرى، وعادة ما تدخل بعض الأحاديث المشهورة أو المراسيل في سياق بعض القصص كهذه القصة.
وقد رُوي هذا الجزء عن حذيفة بأسانيد أخرى:
روى ابن حبان في «صحيحه» (1/ 323)، (باب: ذكر الإخبار عما يجب على المرء من تعلم كتاب الله جل وعلا واتباع ما فيه عند وقوع الفتن خاصة) عن أبي يَعلى أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير بن عبدالحميد، عن مِسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن عبدالله بن الصامت، عن حذيفة، قال: قلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟، قال: «يا حذيفة عليك بكتاب الله فتعلمه، واتبع ما فيه خيراً لك».
ورواه البيهقي في «شُعب الإيمان» (2/ 327) عن أبي زكريا بن أبي إسحاق، قال: أخبرنا والدي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير بن عبدالحميد، عن مسعر بن كدام وسفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، به.
قلت: هذا الإسناد غريبٌ جداً! وقد تفرد به عثمان بن أبي شيبة عن جرير! وقد زاد محمد بن إسحاق الثوري مع مسعر، فزاده غرابة!!
ولا يُعرف لعبدالله بن الصامت رواية عن حذيفة، ولا لعمرو بن مرة رواية عن الصامت، فهذا التفرد لا يقبله أهل العلم في هذه الطبقات المتأخرة التي من شأنها أن يكون الإسناد مشهوراً ومعروفاً.
قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: "رأيت أصحابنا يذكرون أن عثمان روى أحاديث لا يُتابع عليها".
فتعقبه الذهبي في «الميزان» (5/ 49) فقال: "قلت: عثمان لا يحتاج إلى متابع، ولا ينكر له أن ينفرد بأحاديث لسعة ما روى، وقد يغلط، وقد اعتمده الشيخان في صحيحيهما".
قلت: بل يحتاج إلى متابع إذا كانت هذه الأحاديث غريبة أو فيها نكارة، وسعة الرواية أحياناً تؤدي إلى الوهم والغلط، وخاصة في الطبقات المتأخرة التي كثرت فيها الأسانيد، ومن هنا أُتي الغلط في حديث عثمان، واعتماد الشيخين له لا يعني قبول كل ما يرويه بإطلاق.
وقد ذكر الذهبي نفسه له أحاديث أُنكرت عليه في ترجمته، وقد عرضها عبدالله بن أحمد على أبيه، قال عبدالله: "فأنكر أبي هذه الأحاديث مع أحاديث من هذا النحو أنكرها جداً، وقال: هذه موضوعة أو كأنها موضوعة". وقال أبي: "أبو بكر أخوه أحبّ إليّ من عثمان"، فقلت: إن يحيى بن معين يقول: إن عثمان أحب إلي، فقال أبي: "لا، أبو بكر أعجب إليّ من عثمان". ورواها أبو علي ابن الصواف عن عبدالله عن أبيه، وزاد: "فقال: ما كان أخوه أبو بكر يطنف نفسه لشيء من هذه الأحاديث، نسأل الله السلامة في الدِّين والدنيا"، وقال: "كنا نراه يتوهم هذه الأحاديث".
قلت: قد يقول قائل إن رواية سُبيع متابعة جيدة لهذه الرواية؟
أقول: لو كان الإسناد الذي ساقه عثمان محتملاً لكانت متابعة جيدة في هذا الجزء من الحديث، ولكن إسناده هذا مردود لغرابته وما يحيط به من قرائن كعدم وجود رواية لعبدالله بن الصامت عن حذيفة، وغير ذلك. وكذلك رواية سبيع غريبة وهذا الجزء زائد عن الرواية الصحيحة المروية عن أبي إدريس الخولاني عن حذيفة.
وقد تتبعت روايات عبدالله بن الصامت فلم أجد له رواية عن حذيفة إلا في هذا الإسناد، وعليه اعتمد المزي في قوله في ترجمة ((عبدالله بن الصامت)) من «تهذيب الكمال» (15/ 120): "عبدالله بن الصامت الغفاري البصري ابن أخي أبي ذر، روى عن حذيفة بن اليمان ... روى عنه: حميد بن هلال العدوي ... وعمرو بن مرة".