تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: القصة حسنة دون هذه النصيحة! وظاهر كلام الشيخ الألباني أن جميع من ذكرهم في تخريجه خرّجوها، وليس كذلك كما تبيّن، والشيخ الألباني لا يعطي أهمية لهذه الفروقات في المتون واختلافها!

ثم على فرض ثبوتها فهو رأي لعبدالله بن أبي أوفى، ووقفه يدلّ على أن ما روي من ذلك مرفوعاً لا يصح؛ لأنه لو كان في ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاله وهو في موضع البيان.

· النصيحة: سرية أم علنية؟

9 - مسألة النصحية: هل يجب أن تكون سرية أم علنية؟

هذا الحديث المرسل المنتشر في الشام ما هو إلا انعكاس عن الحياة السياسية فيها، فبعد أن انتهت خلافة الأربعة التي كانت على هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم، بدأت الأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة تأخذ طريقها لحماية السياسة وتشريع ما قد يقوم به فلان أو فلان! لأن العهد ما زال قريب، والناس يسمعون ويظعنون لما يُروى عنه صلى الله عليه وسلم.

وأكثر البلاد الإسلامية التي انتشرت فيها هذه الأحاديث هي الشام، ومع كونهم لا يسندون الأحاديث كانت تنتشر انتشار النار في الهشيم حتى اشتهرت عندهم، فلما صاروا يسندون خلطوا كثيراً في الأسانيد والمتون.

وهذا الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول للمسلم: (لا يجوز لك أن تنصح ولي الأمر أو السلطان أو من له ولاية على المسلمين علانية، وإنما النصيحة تكون بالسرّ، فإن فعلت فقد أديت ما عليك)، وبمعنى آخر: (تحريم النصيحة العلنية، وجواز النصيحة السرية)!!

ومن يجرؤ على النصيحة السرية؟!!! ومن يستطيع أن يصل إلى هؤلاء حتى ينصحهم سراً؟!

وقد نبتت نابتة في هذا الزمان الغريب من أشباه طلبة العلم يقولون بهذا بل لا يرون إلا هو، ويدعون أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، حاشاه من ذلك، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.

وهذا لا يعني أن النصيحة ينبغي أن تكون علانية كما يفهمه هؤلاء، وإنما تكون النصيحة سراً إن استطاع الشخص، وإلا فلا بد من النصيحة العلنية إبراءً للذمة والدّين.

· شبهة!!

وقد احتج بعض الجهّال بحديث رواه البخاري ومسلم بأن النصيحة يجب أن تكون سرية، فلم يفقهوا معناه والله المستعان.

روى البخاري في ((صحيحه)) (3/ 1191) ومسلم في ((صحيحه)) (4/ 2290) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق، قال: قيل لأسامة: لو أتيت فلاناً - أي عثمان - فكلمته. قال: إنكم لترون أني لا أكلمه، إلا أسمعكم إني أكلمه في السر دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه، ولا أقول لرجل أن كان عليّ أميراً إنه خير الناس بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: ((يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان، ما شأنك، أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)).

قالوا: هذا أسامة كان ينصح السلطان سراً، وقال بأنه لا ينصحه علناً لكي لا يكون أول من يفتح باب ذلك!

قلت: هذا الحديث ليس فيه دلالة على منع النصيحة علناً، بل غاية ما فيه أن أسامة يرى أن النصيحة تكون سراً، وهو لا ينفي النصيحة العلنية، ثم إنه ينصح عثمان، وما أدراك من هو عثمان، الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم. أيعامل عثمان مثل غيره؟ لا، والله.

فأسامة لم يرد أن يفتح باب الإنكار على مصراعيه على صاحب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبّ الناس إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يتخذ الناس ذلك ذريعة لينكروا عليه علناً في أي تصرف يتصرفه، سواء أكان ذلك صواباً - فيما يراه - أو لا.

بل إن الحديث يدلّ على عدم حرمة المناصحة العلنية لقوله إنه لا يريد أن يكون أول من يفتح ذلك الباب، ولو كان ذلك محرماً لأخبر عن ذلك، وهو في موضع بيان الحاجة.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٥٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٥٧٠