تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يؤكده أن البخاري لما روى في المناقب حديث البراء بن عازب في المعنى قال عقبة: رواه الزهري عن أنس، ولما علّق حديث الزهري هذا عن أنس هنا أسند حديث البراء بعينه أيضاً، فتبين أن مراده ما أشرنا إليه، والله أعلم".

ومثله في ((فتح الباري)) (10/ 291).

قلت: فإسحاق بن زبريق رواه عن عمرو بن الحارث، عن عبدالله بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أنس.

ورواه عبدالحميد عن عبدالله بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أنس، مثله.

وقد حكم الدارقطني بتفرد ابن سالم به، وما أظن أن ابن سالم حدّث به! فحديث ابن زبريق فيه مشكلة، وكذلك حديث عبدالحميد!!

· جُبير بن نُفير عن عِياض بن غنم منقطع:

4 - وعلى فرض ثبوت رواية ابن زبريق ورواية عبدالحميد، ففي الحديث مشكلة أخرى، وهي المشكلة ذاتها في رواية ضمضم، وهي الانقطاع بين جبير بن نفير وعياض بن غَنم!

ذكر الذهبي في ((السير)) (4/ 77) رواية بقية عن عليّ بن زُبيد الخولاني، عن مَرْثد بن سُمَيّ، عن جبير بن نُفير، أنّ يزيد بن معاوية كتب إلى أبيه: (أنّ جُبير بن نفير قد نشر في مِصري حديثاً ... فجاء أبو الدرداء فأخذ بيد جبير وقال ... ) القصة.

قال الذهبي: "هذا خبرٌ منكرٌ لم يكن لجبير ذِكرٌ بعد في زمن أبي الدرداء، بل كان شابّاً يتطلب العلم".

قلت: فإذا كان جبير يتطلب العلم في زمن أبي الدرداء الذي توفي سنة (32هـ)، فمتى التقى بعياض بن غَنم المتوفى سنة (20هـ) ومتى سمع منه؟!!

وأقدم صحابي سمع منه جبير بن نُفير هو أبو الدرداء وأبو ذر، وكلاهما مات سنة (32هـ)، وروايته عن أبي بكر مرسلة، وكذلك عن عمر، وكان عياض بن غنم عامل عمر ومات زمن عمر.

وقيل إنه أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وموته سنة (80هـ) يؤكد أنه ما سمع من عياض بن غنم. وقال معاوية بن صالح: أدرك إمارة الوليد بن عبدالملك. انتهى. قال ابن حجر: "فإن صح ذلك فيكون عاش إلى سنة بضع، لأن الوليد ولي سنة 86، والله أعلم".

قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (1/ 52): "وكان من أجلة العلماء حديثه في الكتب كلها سوى صحيح البخاري، وما ذاك للين فيه، ولكنه ربما دلس عن قدماء الصحابة، والبخاري لا يقنع إلا بأن يصرح الشيخ بلقاء من روى عنه".

قلت: يعني يرسل عن كبار الصحابة كعادة الشاميين في ذلك.

· محمد بن إسماعيل بن عيّاش لم يسمع من أبيه!

5 - ثُمّ إن إسناد الحديث ضعيف قبل أن يصل إلى جبير بن نفير.

فالحديث تفرد به محمد بن إسماعيل بن عيّاش عن أبيه، ولم يسمع منه.

قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (7/ 189): سألت أبي عنه؟ فقال: "لم يسمع من أبيه شيئاً، حملوه على أن يحدّث عنه فحدّث".

قلت: فالمسألة ليست فقط في أنه ضعيف كما أوهم الشيخ الألباني، بل إنه لم يسمع من أبيه شيئاً، وهو لم يكن بذاك فكيف يضبط الحديث؟!

وقال الآجري: "سُئل أبو داود عنه، فقال: لم يكن بذاك، قد رأيته ودخلت حمص غير مرة وهو حيّ، وسألت عمرو بن عثمان عنه فذمّه" (تهذيب التهذيب: 9/ 51).

وضمضم بن زرعة مختلفٌ فيه: وثقه ابن معين، وضعفه أبو حاتم (الجرح والتعديل: 4/ 468). وجمع ابن حجر بينهما فقال في ((التقريب)) (ص280): "صدوق يهم".

وبعد فلا يصح قول ابن عساكر في ((تاريخه)) (47/ 266): "وهو محفوظ من حديث جبير، وقد رواه عبدالرحمن بن عائذ عن جبير"!!

ولا يصح كذلك قول الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/ 230): "ورجاله ثقات وإسناده متصل".

قلت: قد تبيّن أنهم ليسوا كلهم ثقات، وليس بمتصل، بل مرسل.

· نكارة وخلط!!

6 - هذا الحديث فيه نكارة وخلط أيضاً في صاحب القصة!

والحديث رواه أحمد في ((المسند)) (3/ 403) عن أبي المغيرة، قال: حدثنا صفوان، قال: حدثني شريح بن عبيد الحضرمي وغيره قال: (جَلَد عياض بن غنم صاحب داريا حين فُتحت فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي، فأتاه هشام ابن حكيم فاعتذر إليه ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن من أشد الناس عذاباً أشدهم عذاباً في الدنيا للناس)). فقال عياض بن غنم: يا هشام ابن حكيم قد سمعنا ما سمعت، ورأينا ما رأيت، أولم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه له))، وإنك يا هشام لأنت الجريء، إذ تجتريء على سلطان الله فهلا خشيت أن يقتلك السلطان، فتكون قتيل سلطان الله تبارك وتعالى).

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٥٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٥٦٥