قلت: صحح الشيخ الحديث في الموضعين بالمتابعات والشواهد على قاعدته المعروفة في ذلك! وهو التوسع - مع ذكره لعلل الروايات-!! وهذا عجيب منه رحمه الله.
أولاً: أما حديث عبدالملك بن قدامة الجُمحي فمنكر، وهو متروك!! ولم يتعرض الشيخ للكلام على إسحاق بن بكر بن أبي الفرات شيخ عبدالملك! وهو مجهول!
ثانياً: متابعة ابن السباق عن أبي هريرة قد بينا أنها منقطعة! فابن السباق لم يسمع من أبي هريرة! فأنّى للحديث الحسن بمجموع هاتين الروايتين كما قال الشيخ؟!!!
ثالثاً: وكذلك بينا أن الحديث من مراسيل عبدالله بن دينار، وهذا لم يتنبه له الشيخ!!
رابعاً: أما شاهد أنس فقد بينا أيضاً أن ابن إسحاق كان يضطرب فيه! ولم يتنبه الشيخ لهذا. ولا يُعرف هذا الحديث عن ابن المنكدر عن أنس، وهو من تخاليط ابن إسحاق.
خامساً: وأما حديث عوف الذي ذكره في الموضع الآخر من كتابه وقد بيّن أن كلا الطريقين فيهما علة! الأولى من رواية متروك، والأخرى منقطعة! ومع ذلك قوّى الحديث - الذي فيه زيادة والد إبراهيم فيه - بحديث آخر عن ابن عمر، وكذلك بشاهد حديث أنس السابق!!
أما حديث ابن عمر فقد أعله، ولكنه قبله! وأشار إلى أنه سيخرجه في موضع آخر، وسياتي الكلام عليه إن شاء الله، وأما حديث أنس فقد بينا علله وأن ابن إسحاق اضطرب فيه!!
سادساً: وأما قوله بأن ابن حجر "جود إسناده"، أي قال عنه: "جيد"! فهذا مما رددناه على الحافظ - رحمه الله- وقد وهم في ذلك.
مع التنبيه على أن كلمة: "جود" يستخدمها أهل النقد في تحسين الراوي لحديث ما بأن يزيد في إسناده راو، فيقول أهل العلم: "جوده" أي جعل إسناده حسناً. فهو بهذا الاعتبار يدخل في باب العلل.
وأما إطلاقه على أن الإسناد: "جيد" فليس بجيد، والله أعلم.
سابعاً: وأما شاهد ابن عمر فقد ذكره في «صحيحته» برقم (2288) (إن مثل المؤمن كمثل القطعة من الذهب، نفخ فيها صاحبها فلم تغير ولم تنقص، والذي نفسي بيده، إن مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيبا ووضعت طيبا ووقعت فلم تكسر ولم تفسد).
قال الشيخ: "أخرجه أحمد (2/ 199) والرامهرمزي في "الأمثال" (50/ 1 - 2) والأصبهاني في "الترغيب" (11/ 2) عن مطر عن عبدالله بن بريدة عن أبي سبرة حدثني عبدالله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره، وزاد في أوله: "إن الله يبغض الفحش والتفحش، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخون الأمين ويؤتمن الخائن حتى يظهر الفحش والتفحش وقطيعة الأرحام وسوء الجوار".
قلت: وهذا إسناد ضعيف، أبو سبرة لم يوثقه غير ابن حبان، وقال ابن معين: "لا أعرفه". ومطر هو ابن طهمان الوراق، صدوق كثير الخطأ، كما في "التقريب". لكن تابعه على الزيادة المذكورة حسين المعلم حدثنا عبدالله بن بريدة به. أخرجه أحمد (2/ 162 - 163) وتابعه على الحديث كله قتادة عن عبدالله بن بريدة به.
أخرجه الحاكم (4/ 513) وقال: "صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي!
ثم وجدت له طريقا أخرى يتقوى بها إن شاء الله تعالى، فقال البزار في "مسنده" (ص 238 - زوائده): حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبدالرحمن بن مغراء عن الأعمش عن أيوب عن عبدالله بن عمرو مرفوعا بلفظ: "لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش وقطيعة الرحم وسوء الجوار، (ويخون) الأمين، قيل: يا رسول الله! فكيف المؤمن؟ قال: كالنحلة، وقعت فلم تفسد وأكلت فلم تكسر ووضعت طيبا". وقال البزار: "لا نعلم إلا هذا الطريق، ولا روى الأعمش عن أبي أيوب، إلا هذا الإسناد".
قلت: كذا وقع هنا: "أبي أيوب"، وفيما تقدم: "أيوب" بإسقاط أداة الكنية ويغلب على الظن أن الصواب إثباتها لقول البزار السابق: "ولا روى الأعمش عن أبي أيوب إلا هذا الإسناد". ومن المعلوم أن الأعمش كثير الرواية عن أيوب - وهو السختياني - حتى إنهم لما ذكروا الرواة عنه ذكروه أولهم، فلو كان الصواب أن شيخ الأعمش في هذا الإسناد هو أيوب لم يقل البزار ذلك. فإذن من هو أبو أيوب فيه؟ الذي يظهر لي أنه أبو أيوب المراغي الأزدي البصري، روى عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمرو، وهو ثقة من رجال الشيخين. وقد سبق الكلام على هذه الطريق بزيادة فائدة تحت الحديث (2253). ولبعضه طريق أخرى يرويه عمار بن محمد عن عبدالسلام بن مسلم أبي مسعود عن منصور بن زاذان عن أبي جحيفة عن عبدالله بن عمرو بلفظ: "من أشراط الساعة أن يؤتمن الخائن ويخون الأمين". أخرجه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (ص 31). ورجاله ثقات غير عبدالسلام هذا فلم أعرفه" انتهى كلامه.