قلت: فتبين من هذا أن الطرق لا تصفو لإبراهيم بن أبي عبلة، ولا تصح لأبيه رواية، والله أعلم.
· مناقشة الشيخ الألباني في تصحيحه لهذا الحديث!
قال الشيخ - رحمه الله- في «صحيح الجامع» برقم (3650): " (صحيح) ... [حم هـ ك] عن أبي هريرة. الصحيحة 1888: الخرائطي. حم- أنس".
وخرّجه في «الصحيحة» برقم (1887)، وقال: "أخرجه ابن ماجة (4042) والحاكم (4/ 465،512) وأحمد (2/ 291) والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (ص 30) من طريق عبدالملك بن قدامة الجمحي عن إسحاق بن أبي الفرات عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
كذا قالا وهو عجب، سيما من الذهبي، فإنه أورد ابن قدامة هذا في "الميزان"، ونقل تضعيفه عن جمع، وقال في "الضعفاء": "قال أبو حاتم وغيره: ليس بالقوي". وإسحاق بن أبي الفرات قال الحافظ: "مجهول". لكن للحديث طريق أخرى يتقوى بها يرويه فليح عن سعيد بن عبيد بن السباق عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "قبل الساعة سنون خداعة ... " الحديث دون قوله: "وما الرويبضة ... ". أخرجه أحمد (2/ 338). قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن السباق، وهو ثقة. لكن فليح وهو ابن سليمان الخزاعي فيه كلام من قبل حفظه، حتى قال الحافظ: "صدوق يخطىء كثيراً".
فالحديث بمجموع الطريقين حسن. وله شاهد يزداد به قوة يرويه محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك مرفوعا بلفظ: "إن أمام الدجال سنين خداعة ... " الحديث مثله إلا أنه قال: "الفويسق يتكلم في أمر العامة ". أخرجه أحمد (3/ 220). ورجاله ثقات لولا عنعنة ابن إسحاق" انتهى كلامه.
ثم أورده أيضاً في «الصحيحة» برقم (2253)، وقال: "أخرجه البزار في "مسنده" (3373 - الكشف) والطبراني في "المعجم الكبير" (18/ 67/125) من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبيه عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره.
زاد البزار: قال محمد بن إسحاق: وحدثني عبدالله بن دينار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بنحوه. قال الهيثمي في "المجمع" (7/ 284): "رواه البزار، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع من عبدالله بن دينار، وبقية رجاله ثقات". كذا قال! وأقره الأعظمي في تعليقه على "الكشف". ولنا عليه مؤاخذتان: الأولى: أنه لم يعز حديث عوف للطبراني، ولا سيما وقد رواه من غير هذا الوجه. والأخرى: أن أبا عبلة - والد إبراهيم - غير معروف إلا بهذه الرواية، ولم يوثقه غير ابن حبان (4/ 367)، وسكت عنه ابن أبي حاتم، فهو من هذا الوجه ضعيف، يقويه حديث أنس، فإن إسناده حسن لتصريح ابن إسحاق بالتحديث. وقد أخرجه أحمد (3/ 220) من طريق أخرى عنه عن محمد بن المنكدر عن أنس بلفظ: "إن أمام الدجال سنين خداعة .. ". الحديث مثل حديث الترجمة، إلا أنه قال: "قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة". ثم رواه عقبه هو وابنه عبدالله وأبو يعلى (1/ 378/3715) من طريق ابن إسحاق الأولى عن عبدالله بن دينار به. وقد وهم المعلق على "أبي يعلى" فجعل طريق ابن إسحاق عن ابن المنكدر عند أحمد والطريق هذه واحدة. نعود إلى حديث عوف، فقد توبع عليه ابن إسحاق من اثنين: الأول: مسلمة بن علي: حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن أبيه به. أخرجه الطبراني (18/ 67/ رقم 123) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (16/ 226/2). ومسلمة هذا متروك. والآخر: إسماعيل بن عياش عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عوف بن مالك مرفوعا مثله. أخرجه الطبراني (رقم 124)، وقال المعلق عليه، صاحبنا حمدي السلفي: "إسناده حسن"! وأقول: كان يكون كذلك لولا الانقطاع بين إبراهيم بن أبي عبلة وعوف، فإن بين وفاتيهما تسعاً وسبعين سنة، ولذلك لم يذكروا له رواية عن أحد من الصحابة، سوى أنس ابن مالك رضي الله عنه ونحوه. ولم يذكروا له رواية عن عوف، والروايات السابقة تبين أن بينهما والده أبا عبلة. ثم إن مما يزيد الحديث قوة أن له شواهد عن غير ما واحد من الصحابة، منها عن عبدالله بن عمر مرفوعاً نحوه إلى قوله: "ويخون الأمين"، وزاد: "قيل: يا رسول الله! فكيف المؤمن يومئذ؟ قال: كالنخلة وقعت فلم تفسد وأكلت فلم تكسر ووضعت طيبا، وكقطعة الذهب، دخلت النار، فأخرجت، فلم تزدد إلا جودا". أخرجه البزار (9409) عن عبدالرحمن بن مغراء الدوسي: حدثنا الأعمش عن أبي أيوب عنه. وقال: "لا نعلمه إلا عن عبدالله بن عمرو، ولا له عنه إلا هذا الطريق". قلت: ورجاله ثقات رجال (الصحيح) غير عبدالرحمن بن مغراء الدوسي، قال الحافظ في "التقريب": "صدوق، تكلم في حديثه عن الأعمش". قلت: وهذا عنه كما ترى ومع ذلك فقد قال الحافظ في "زوائده" (ص238): "حسن". وأما الهيثمي فقال في "مجمع الزوائد" (7/ 327): "رواه البزار، وفيه عبدالرحمن بن مغراء، وثقه أبو زرعة وجماعة، وضعفه ابن المديني، وبقية رجاله رجال الصحيح". وله طريق أخرى عن ابن عمر، يأتي بإذنه تعالى برقم (2288) ... وللحديث شواهد أخرى تقدم بعضها برقم (1887 و 2238). من حديث جماعة منهم أنس، وجود إسناده الحافظ في "الفتح" (13/ 84) " انتهى كلامه.