وهذا منقطع، لا يُحتج به.
وقول ابن عبدالبر: "مِثْلُ هذا لَا يَكُونُ إِلَّا تَوْقِيفًا لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُرْوَى بِالرَّأْيِ"! فيه نظر! فكان كلامه يتجه لو صح عن الصحابي، ولكنه لم يصح إليه، فهو منقطع!
وقال أيضاً: "وَقَدْ روينا هذا الحديث عن ابن عَبَّاسٍ مُتَّصِلًا"، ثم ساقه وقال: "حَدِيثُ مَالِكٍ أَتَمُّ وَكُلُّهَا تَقْضِي الْقَوْلَ بِهَا وَالْمُشَاهَدَةَ بِصِحَّتِهَا".
قلت: أما إسناد الحديث فسيأتي الكلام عليه، وأما ما يتعلق بالمشاهدة فنعم حتى في أيام انتشار هذا الحديث فما فيه واقع؛ لأن ظهور الأمراض وحبس المطر وما جاء من أشياء أخرى في الحديث هذا واقع ومشاهد في كل الأزمنة، فالأمراض التي كانت في زمان، يظهر غيرها في أزمنة لاحقة، وربما تكون الأمراض السابقة أفتك من الأمراض اللاحقة! وهكذا، وعليه فلا يُحتج بتصحيح الحديث على أمر واقع ومشاهد! ولا أظن أمراً من هذه الأمور الخمسة المذكورة قد خلا منها زمان! فالحديث أصله مرسل - أي منقطع- ولا يصح عن أيّ صحابي، وهكذا هي المراسيل تكون موافقة لبعض الأشياء الموجودة والمحسوسة، وهذا منها، والله أعلم.
· رواية منقطة عن ابن عباس وموقوفة!
وقد روى شعبة، عن الحكم بن عُتيبة، عن الحسن بن مسلم بن يَناق المكيّ، عن ابن عباس قال: «ما ظهر البغي في قوم قط إلا ظهر فيهم الموتان، ولا ظهر البخس في الميزان والقفيز والمكيال إلا ابتلوا بالسنة، لا ظهر نقض العهد في قوم إلا أديل منهم عدوهم».
«السنن الواردة في الفتن» (3/ 686)، وأبو نُعيم في «الحلية» (1/ 322)، وابن عبدالبر في «التمهيد» (23/ 431) كلهم من طريق شعبة، به. ورواية أبي نعيم مختصرة.
قلت: هذا منقطع بين الحسن وابن عباس، وهو كذلك موقوف على ابن عباس!
· رواية ابن بُريدة ابن عبّاس:
وروى الْحُسَيْنُ بنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ قَطُّ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وَلَا فَشَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلَّا أَخَذَهُمُ اللهُ بِالْمَوْتِ، وَمَا طَفَّفَ قَوْمٌ الْمِيزَانَ إِلَّا أَخَذَهُمُ اللهُ بِالسِّنِينَ، وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلَّا مَنَعَهُمُ اللهُ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَمَا جَارَ قَوْمٌ فِي حُكْمٍ إِلَّا كَانَ الْبَأْسُ بَيْنَهُمْ، أَظُنُّهُ قَالَ: وَالْقَتْلُ».
أخرجه الخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (ص: 187) من طريق عَلِيّ بن الْحَسَنِ بنِ شَقِيقٍ، عن الْحُسَيْن بن وَاقِدٍ، به.
وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (3/ 196) من طريق الْفَضْل بن مُوسَى السِّينَانِيُّ، عن الْحُسَيْن، به.
قلت: الحسين بن واقد صدوق له أوهام - كما قال ابن حجر-، وقد استنكر الإمام أحمد بعض حديثه!! وهذا موقوف على ابن عباس، وهو بخلاف اللفظ الذي هو أصل البحث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمهاجرين: خمس إذا ابتليتم بهنّ ... الحديث!
· رواية ابن عبّاس عن كعب الأحبار:
وقد رُوي نحو هذا عن ابن عباس عن كعب الأحبار!
روى سَعِيدُ بن مَسْرُوقٍ - والد سفيان الثوريّ-، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْتَقَى ابنُ عَبَّاسٍ وَكَعْبٌ، فَقَالَ كَعْبٌ: «يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، إِذَا رَأَيْتَ السُّيوفَ قَدْ عَرِيَتْ، وَالدِّمَاءَ قَدْ أُهْرِيقَتْ، فَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ اللهِ قَدْ ضُيِّعَ، وَانْتَقَمَ اللهُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْوَبَاءَ قَدْ فَشَا فَاعْلَمْ أَنَّ الزِّنَا قَدْ فَشَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْمَطَرَ قَدْ حُبِسَ فَاعْلَمْ أَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ حُبِسَتْ، وَمَنَعَ النَّاسُ مَا عِنْدَهُمْ، وَمَنَعَ اللهُ مَا عِنْدَهُ».
أخرجه أبو نُعيم في «الحلية» (5/ 379) من طريق شَريك، وفي (6/ 42) من طريق إسرائيل، كلاهما عن سعيد بن مسروق، به.