قال ابن المُنيِّر في «المتواري على أبواب البخاري» في بيان العلاقة بين الترجمة والحديث: "كأن هَذَا من قبيل التهنئة بلباس الْجَدِيد. وَأدْخلهُ البُخَارِيّ لِئَلَّا يظنّ أَن مثل هذَا من قبيل مَا اخْتلف فِيهِ من التهنئة بالمواسم الشَّرْعِيَّة. وَالله أعلم".
وقوله صلى الله عليه وسلم: «وأَخْلِفِي» رُوي بالقاف أيضاً «وأَخْلِقي»، وجاء في رواية المروزِي والهروي بِالْفَاءِ، أَي تعيش حَتَّى تبليه وتكسب خَلفه بعده وَغَيره، يُقَال: أخلف الله لَك مَالا وَخَلفه، وَبَعْضهمْ لَا يُجِيز إِلَّا أخلف الله مَالا، ولغيرهما بِالْقَافِ تَأْكِيد لقَوْله أبلى من أَخْلَاق الثَّوْب وَكِلَاهُمَا صَحِيح الْمَعْنى.
فقولهُ: (أَبْلِي وَأَخْلِقِي) هَذَا مِنْ بَابِ التَّفَاؤُلِ وَالدُّعَاءِ لِلَّابِسِ بِأَنْ يُعَمِّرَ وَيَلْبَسَ ذَلِكَ الثَّوْبَ حَتَّى يَبْلَى وَيَصِيرَ خَلَقًا، فيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا كَذَلِكَ.
قال ابن حجر في «الفتح» (10/ 280): "وقوله (أبلى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وكسر اللام، أمر بالإبلاء، وكذا قوله (أخلقي) بالمعجمة والقاف، أمر بالاخلاق، وهما بمعنى والعرب تطلق ذلك وتريد الدعاء بطول البقاء للمخاطب بذلك، أي أنها تطول حياتها حتى يبلى الثوب ويخلق. قال الخليل: أبل وأخلق معناه عِش وخرق ثيابك وأرقعها، وأخلقت الثوب أخرجت باليه ولفقته، ووقع في رواية أبي زيد المروزي عن الفربري وأخلفي بالفاء، وهي أوجه من التي بالقاف؛ لأن الأولى تستلزم التأكيد إذ الإبلاء والاخلاق بمعنى لكن جاز العطف لتغاير اللفظين، والثانية تفيد معنى زائداً وهو أنها إذا أبلته أخلفت غيره، وعلى ما قال الخليل لا تكون التي بالقاف للتأكيد لكن التي بالفاء أيضاً أولى، ويؤيدها ما أخرجه أبو داود بسند صحيح عن أبي نضرة قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم ثوباً جديداً قيل له: تبلى ويخلف الله".
فالثابت في التهنئة بالثوب الجديد أن نقول: «أَبْل وَأَخْلف»، وثبت عن ابن عُلَيَّةَ وابن المبارك، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَأَوْا عَلَى أَحَدِهِمُ الثَّوْبَ الْجَدِيدَ، قَالُوا: تُبْلِي، وَيُخْلِفُ اللَّهُ عَلَيْكَ".
· حديث آخر اختلف الرواة فيه عن الجُريري!
أخرج ابن المبارك في كتاب «الزهد» (ص471) قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: أَتَيْتُ تَمِيمًا الدَّارِيَّ فَحَدَّثَنِي حَتَّى اسْتَأْنَسْتُ إِلَيْهِ، وفيه: «خُذْ مِنْ نَفْسِكَ لِدِينِكَ، وَمِنْ دِينِكَ لِنَفْسِكَ، يَسْتَقِيمُ بِكَ الْأَمْرُ عَلَى عِبَادَةٍ تُطِيقُهَا».
قالَ أَبُو عُبَيْدٍ القاسم بن سلام في «غريب الحديث» (2/ 29): "وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ ابنُ عُلَيَّةَ يُحَدِّثُهُ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ عَنْ تَمِيمٍ، وَلَا يَذْكُرُ أَبَا الْعَلَاءِ".
وابن علية سمع من الجريري قبل الاختلاط، وابن المبارك بعده!
· ملخص الأدلة على أن سماع الطحان من الجريري كان بعد الاختلاط:
والخلاصة أنّ خالد الطحّان سمع من الجريري بعد الاختلاط، ويدلّ عليه:
1 - قول أبي داود: "من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جيد"، قصد به من أدرك أيوب وسمع منه، ومن ذكرناهم ممن سمع من الجريري قبل الاختلاط قد سمعوا أيضاً من أيوب، وأراد أبو داود أن يبيّن أنهم قدماء، وأما خالد الطحان فنعم قد أدرك أيوب (ت131هـ)، ولكنه لم يسمع منه! وهو واسطي، وكان عمره (21) سنة لما مات أيوب، وكان طالب العلم يتشبع من حديث بلده ثم يرحل، ولهذا لما سُئِل الإمام أحمد عن سماع خالد من الجريري قبل الاختلاط أجاب بعدم معرفته؛ فلو كان سمع منه قبل الاختلاط لشاع ذلك وعرفه أحمد، والأقرب أنّ خالد الطحان سمع من الجريري بعد الاختلاط، أي بعد سنة (141هـ).