ولكن ذكر خليفة بن خياط في تسمية الصحابة الذين نزلوا الشام: "أنس الجهني روى اركبوا هذه الدواب"، وذكر قبله معاذ بن أنس كذلك. فجعل الحديث لوالد معاذ: أنس، فأثبت لكليهما صحبة!
وهذا الحديث يروى عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويروى عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويروى عن الليث عن معاذ، ويروى عن الليث عن يزيد عن معاذ! وقد تكلم على هذه الاختلافات ابن عساكر في «تاريخه» (9/ 387). وقد جعل الشيخ شعيب ورفاقه أثناء تعليقهم على هذه الأحاديث من المسند (29/ 590) برقم (18052) هذا الحديث من المزيد في متصل الأسانيد، وظاهر كلامهم وتعليقهم أن كلا الروايتين صحيحة! وكأنهم لا يعرفون ما معنى المزيد في متصل الأسانيد!!!
والذي أميل إليه أن هذه الأحاديث لا تصح بسبب معاذ بن أنس هذا، والله تعالى أعلم وأحكم.
وقد روى الطبراني حديث سهل بن معاذ في الدعاء من طريق آخر:
أخرجه في «مسند الشاميين» (1/ 151) من طريق الْوَلِيد بن الْوَلِيدِ العنسيّ الدمشقيّ، عن محمّد بن عبدالرّحمن بن ثَوْبَان، عَنْ سَهْلِ بنِ مُعَاذِ بنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهُ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قلت: الوليد مشّاه أبو حاتم الرازي، وأكثر الأئمة على أنه متروك.
وقال أبو نُعيم الأصبهاني: "روى عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان موضوعات".
· تصحيح الشيخ العدوي لحديث الجريري عن أبي نضرة!!
لما عرض الشيخ مصطفى العدوي لحديث الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد وتعليل أبي داود له أثناء تحقيقه للمنتخب من مسند عبد بن حميد برقم (880) قال: "صحيح لغيره"، ثم قال بعد ذكر الاختلاف في إسناده: "وإن كان حماد أثبت من عيسى في الجريري إلا أن حماداً نفسه تغير حفظه. فالذي يترجح - والله أعلم- الرواية المتصلة، والحديث ذكره الحافظ في (الفتح: 10/ 303) كتاب اللباس باب "32": ما يدعى لمن لبس ثوباً جديداً. وسكت عليه الحافظ ابن حجر".
قلت: لم ينظر الشيخ - حفظه الله- إلى مسألة من روى عن الجريري قبل الاختلاط وبعده! فإن كل من رواه عنه بهذا الإسناد ممن روى عنه بعد الاختلاط، وحديث حماد يدلّ على أنه ضبطه إذا أتى به هكذا ونصّ أهل النقد أنه سمع من الجريري قبل الاختلاط بزمن، وترجيح المتصل على المرسل بدعوى أن حماداً تغير حفظه فيه نظر! ويفتقر إلى قرينة تؤيده! سيما والمسالة مسألة اختلاط الجريري، وليست المسألة هنا بكثرة من روى عنه!!
وأما سكوت الحافظ ابن حجر عنه فلا يعني شيئاً، ولا يُنسب لساكت قول، وكذلك فإن الحافظ عندما يحسّن بعض الأحاديث في شرحه فإنه ربما يتساهل في ذلك، فما بالك إذا سكت!!
· أحاديث الدعاء عند لبس الثوب الجديد!
والخلاصة أنه لم يصح أيّ حديث في الدعاء عند لبس الثوب الجديد، إلا قوله صلى الله عليه وسلم لأمّ خالد: «أَبْلِي وَأَخْلِفِي».
والعَرَبُ كانت تقول لمَن لَبِسَ ثوباً جَدِيداً: "أَبْلِ، وأَخْلِفْ، واحْمَدِ الكَاسِي". [تاج العروس (23/ 272].
وقد بوّب البخاري في «صحيحه»: "باب مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا".
قال ابن حجر في «الفتح» (10/ 303): "باب ما يدعى لمن لبس ثوباً جديداً: كأنه لم يثبت عنده حديث ابن عمر قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم على عمر ثوباً، فقال: ألبس جديداً وعش حميداً ومت شهيداً، أخرجه النسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان وأعلّه النسائي".
وأخرج البخاريّ تحت هذا الباب قال: حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ سَعِيدِ بنِ عَمْرِو بنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدٍ، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، قَالَ: «مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الخَمِيصَةَ» فَأُسْكِتَ القَوْمُ، قَالَ: «ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ» فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ: «أَبْلِي وَأَخْلِفِي» مَرَّتَيْنِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ: «يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا وَيَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا» وَالسَّنَا بِلِسَانِ الحَبَشِيَّةِ الحَسَنُ قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِي: أَنَّهَا رَأَتْهُ عَلَى أُمِّ خَالِدٍ.