وقد رواه حمّاد بن سلمة، وخالفهم في إسناده، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط.
رواهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ الشِّخِّيرِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ إِذَا لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا قَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَمَنْ خَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ». (أخرجه النسائي في «السنن الكبرى»: 6/ 85).
قالَ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ النسائيّ: "حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي الْجُرَيْرِيِّ أَثْبَتُ مِنْ عِيسَى بنِ يُونُسَ، لَأَنَّ الْجُرَيْرِيَّ كَانَ قَدِ اخْتَلَطَ، وَسَمَاعُ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ مِنْهُ قَدِيمٌ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ. قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: قَالَ كَهْمَسٌ: أَنْكَرْنَا الْجُرَيْرِيَّ أَيَّامَ الطَّاعُونِ، وَحَدِيثُ حَمَّادٍ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى وَابنِ الْمُبَارَكِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ".
وأشار أبو داود إلى أن عبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفي رواه عن الجريري عن أبي نضرة مرسلاً، لم يذكر أبا سعيد!
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: "عَبْدُالْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا سَعِيدٍ، وَحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، قَالَ: عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
قَالَ: "حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ وَالثَّقَفِيُّ سَمَاعُهُمَا وَاحِدٌ".
قلت: إن ثبت أن الثقفي رواه عن الجريري هكذا فقد يكون الجريري أخطأ به قبل الاختلاط أيضاً، ولكن الثقفي أيضاً اختلط في آخر عمره! فربما وهم فيه!! والثابت أن الجريري رواه بعد الاختلاط بهذا الإسناد لكن زاد فيه "عن أبي سعيد"! ولو صحت رواية الثقفي أيضاً لبقي الحديث مرسلاً، وحديث حماد أيضاً مرسل، فالحديث عن الجريري عن أبي العلاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل.
ويظهر أن الوهم دخل على الجريري بسبب اختلاطه فدخل له إسناد في إسناد بسبب أنه يروي شيئاً في هذا عن أبي نضرة!
فلما روى أبو داود هذا الحديث عن عَمْرو بن عَوْنٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ إِمَّا قَمِيصًا، أَوْ عِمَامَةً ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ، وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ».
قَالَ أَبُو نَضْرَةَ: "فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم إِذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ: تُبْلَى وَيُخْلِفُ اللَّهُ تَعَالَى".
قلت: لما كان الجريري يروي عن أبي نضرة هذا اللفظ الأخير وهو متعلق باللباس الجديد أسند الحديث عن أبي نضرة فوهم.
وهذا اللفظ قد رواه إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَأَوْا عَلَى أَحَدِهِمُ الثَّوْبَ الْجَدِيدَ، قَالُوا: تُبْلِي، وَيُخْلِفُ اللَّهُ عَلَيْكَ" (أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: 5/ 189).
وابن علية ممن سمع من الجريري قبل الاختلاط، فهذا هو المحفوظ عنه. وأما الحديث الأول فهو معلول كما أشار النسائي وأبو داود.
قال الحافظ ابن حجر في «أمالي الأذكار»: "ولذا أشار أبو داود إلى هذه العلة, وأفاد علة أخرى وهي أن عبدالوهاب الثقفي رواه عن الجريري عن أبي نضرة مرسلاً، لم يذكر أبا سعيد, وغفل ابن حبان والحاكم عن علته فصححاه, أخرجه ابن حبان من رواية عيسى بن يونس, ومن رواية خالد الطحان, وأخرجه الحاكم من رواية أبي أسامة, كلهم عن الجريري, وكل من ذكرنا سوى حماد والثقفي سمعوا من الجريري بعد اختلاطه, فعجب من الشيخ - يريد النووي - كيف جزم بأنه حديث صحيح! ويحتمل أنه صحيح المتن لمجيئه من طريق آخر حسن أيضاً".