وقد جمع ابن بطال الترجمتين فِي بَاب وَاحِد فَقَالَ: "باب عَمُود الْفسْطَاط تَحت وسادته وَدخُول الْجنَّة فِي الْمَنَام".
وقالَ ابن بطال: "سَأَلت الْمُهلب: كَيفَ ترْجم البُخَارِيّ بِهَذَا الْبَاب وَلم يذكر فِيهِ حَدِيثا؟ فَقَالَ: الذي يقع في نفسي أنه رأى في بعض طرق الحديث السرقة شيئا أكمل مما ذكره في كتابه، وفيه أن السرقة مضروبة في الأرض على عمود كالخباء، وأن ابن عمر اقتلعها من عمودها فوضعها تحت وسادته، وقام هو بالسرقة فأمسكها وهي كالهودج من استبرق فلا يريد موضعاً من الجنة إلا طارت به إليه، ولم يرض بسند هذه الزيادة فلم يدخله في كتابه، وقد فعل مثل هذا في كتابه كثيراً كما يترجم بالشيء ولا يذكره، ويشير إلى أنه روي في بعض طرقه، وإنما لم يذكره لِلين في سنده، وأعجلته المنية عن تهذيب كتابه. انتهى".
وقد اعترض ابن حجر عليه بقوله: "وقد نقل كلام المهلب جماعة من الشراح ساكتين عليه وعليه مآخذ أصلها إدخال حديث ابن عمر في هذا الباب وليس منه بل له باب مستقل".
وقد جمع بينهما ابن المُنيِّر في «المتواري على أبواب البخاري» (ص382) فقال: "باب عمود الفسطاط تحت وسادته، ودخول الجنّة في المنام".
ثم قال: "روى غير البخارى هذا الحديث بزيادة عمود الفسطاط، ووضع ابن عمر له تحت الوسادة ولكن لم توافق الزيادة شرطه فدرجها في الترجمة تنبيهاً، والله أعلم".
وردّ عليه ابن حجر بأنه قلد في هذا المهلب في كلامه السابق، ثم قال في «الفتح» (12/ 402): "والمعتمد أن البخاري أشار بهذه الترجمة إلى حديث جاء من طريق أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى في منامه عمود الكتاب انتزع من تحت رأسه، الحديث، وأشهر طرقه: ما أخرجه يعقوب بن سفيان، والطبراني، وصححه الحاكم، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فأتبعته بصري فإذا هو قد عهد به إلى الشام، إلا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام، وفي رواية: فإذا وقعت الفتن فالأمن بالشام»، وله طريق عند عبدالرزاق رجاله رجال الصحيح إلا ان فيه انقطاعاً بين أبي قلابة وعبدالله بن عمرو، ولفظه عنده: «أخذوا عمود الكتاب فعمدوا به إلى الشام»، وأخرج أحمد ويعقوب بن سفيان والطبراني أيضاً عن أبي الدرداء رفعه: «بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام .. الحديث»، وسنده صحيح، وأخرج يعقوب والطبراني أيضاً عن أبي أمامة نحوه، وقال: انتزع من تحت وسادتي، وزاد بعد قوله: (بصري): فإذا هو نور ساطع حتى ظننت أنه قد هوى به فعمد به إلى الشام، وإني أولت أن الفتن إذا وقعت أن الأمان بالشام، وسنده ضعيف، وأخرج الطبراني أيضا بسند حسن عن عبدالله بن حوالة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسرى بي عموداً أبيض كأنه لواء تحمله الملائكة، فقلت ما تحملون، قالوا: عمود الكتاب، أمرنا أن نضعه بالشام، قال: وبينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت وسادتي، فظننت أن الله تخلى عن أهل الأرض، فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى وضع بالشام»، وفي الباب عن عبدالله بن عمرو بن العاص عند أحمد والطبراني بسند ضعيف، وعن عمر عند يعقوب والطبراني كذلك، وعن ابن عمر في فوائد المخلص كذلك، وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً، وقد جمعها ابن عساكر في مقدمة تاريخ دمشق، وأقربها إلى شرط البخاري حديث أبي الدرداء؛ فإنه أخرج لرواته إلا أن فيه اختلافاً على يحيى بن حمزة في شيخه: هل هو ثور بن يزيد أو زيد بن واقد، وهو غير قادح؛ لأن كلا منهما ثقة من شرطه، فلعله كتب الترجمة، وبيّض للحديث لينظر فيه فلم يتهيأ له أن يكتبه، وإنما ترجم بعمود الفسطاط، ولفظ الخبر في عمود الكتاب إشارة إلى أن من رأى عمود الفسطاط في منامه فإنه يعبر بنحو ما وقع في الخبر المذكور، وهو قول العلماء بالتعبير، قالوا: من رأى في منامه عموداً، فإنه يعبر بالدين أو برجل يعتمد عليه فيه، وفسروا العمود بالدين والسلطان، وأما الفسطاط فقالوا: من رأى أنه ضرب عليه فسطاط، فإنه ينال سلطاناً بقدره، أو يخاصم ملكاً فيظفر به" انتهى.