قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هذا الْحَدِيثَ عَنْ أَيُّوبَ إِلَّا مَعْمَرٌ، وَلَا عَنْ مَعْمَرٍ إِلَّا مُحَمَّدُ بنُ ثَوْرٍ، تَفَرَّدَ بِهِ مُؤَمَّلٌ".
قلت: مؤمل سيء الحفظ، فلا يحتج بما انفرد به.
ويُشبه أن يكون هذا الحديث من مراسيل أبي قلابة، أخطأ فيه مؤمل فرفعه، وكان أبو قلابة قد نزل الشام، وكان أوصى بكتبه لأيوب السختياني، وكان في هذه الكتب الكثير من المراسيل، قد وصلها بعض الرواة لما حدثوا بها.
والحديث أصله شامي، وهو مرسل، فهذه قرينة على أن حديث أبي قلابة مرسل، وقد روى الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (2/ 900) قال: حدثنا حُسَيْنٌ، فِي تَفْسِيرِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: وَحَدَّثَ أَبُو قِلَابَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ حَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ فَعَمَدَتْ بِهِ إِلَى الشَّامِ» فَقَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا وَقَعَتِ الْفِتَنُ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِالشَّامِ».
قلت: فهذا مرسل، وهو مما كان يقرأ من كتب أبي قلابة؛ لأن قتادة لم يسمع منه.
وقد رُوي مرفوعاً من طريق آخر:
أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (2/ 59) من طريق رَيْحَان بن سَعِيدٍ أَبي عِصْمَةَ، عن عَبَّاد بن مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ بَشِير بن كعب، عَنْ عبداللَّهِ بنِ عمرو، نحوه.
قلت: وهذا إسناد منكر! فأبو عصمة لا يُحتج به، وعبّاد شيخه ليس بشيء.
وأما حديث مدرك:
فأخرجه يعقوب الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/ 167) قال: حدثنا عبدالله بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن مدرك بن عبدالله أو أبي مدرك، قال: غزونا مع معاوية مصر فنزلنا منزلاً، فقال عبدالله بن عمرو بن العاص لمعاوية، يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أقوم في الناس فأذن له، فقام على قومه، فحمد الله - عزّ وجلّ وأثنى عليه - ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رأيت في المنام أن عمود الكتاب حمل من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو كالعمود من النور فعمد به إلى الشام، ألا وأن الإيمان إذا وقعت الفتنة بالشام ثلاث مرات».
وأخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (1/ 105) من طريق عمر بن عثمان، عن أبيه، عن محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن مدرك بن عبدالله الأزدي قال: غزونا مع معاوية بمصر، فنزلنا تنيس، فقال عبدالله بن عمرو لمعاوية: يا أمير المؤمنين أتأذن أن أقوم على فرسي في الناس، فأذن فأقام على فرسه فحمد الله تعالى، فذكره.
قلت: لم يرو هذا الحديث عن العباس بن سالم إلا محمد بن مهاجر!
ومدرك هذا مجهول لا يُعرف إلا في هذا الحديث!
وقد ذكره ابن عساكر في «تاريخه» (57/ 187) قال: "مدرك بن عبدالله الأزدي، روى عن عبدالله بن عمرو، روى عنه العباس بن سالم"، ثم ساق له هذه الرواية فقط.
وذكره ابن حبان في «الثقات» (5/ 445) على قاعدته في ذلك: أن من له رواية ولا يوجد فيه أي جرح أو تعديل يورده في ثقاته!
قال: "مدرك بن عبدالله: شيخ يروي عن عبدالله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام، وهو الذي غزا مع معاوية، روى عنه محمد بن المهاجر الدمشقي، عن العباس بن سالم، عنه".
قلت: هكذا في المطبوع: "عبدالله بن عمر"! وكأنه في أصله هكذا، فقد ذكر في «لسان الميزان» (6/ 11) تبعاً للأصل من اسمه «مدرك»: "مدرك بن عبدالله الأزدي عن ابن عمر رضي الله عنهما".
ثم قال ابن حجر: "والراوي عن ابن عمر ذكره ابن حبان في الثقات، فقال: شيخ غزا مع معاوية، وروى عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: إلا وأن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام، روى محمد بن المهاجر عن العباس بن سالم، عنه".