قلت: فالظاهر أن الشيخ - رحمه الله- كان يهم فيه، والله أعلم.
· رواية عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب:
إذن الحديث حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، وقد توبع عليه، فهل هذه المتابعة مقبولة؟
رواه يعقوب الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/ 173) قال: حدثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بنُ عَمْرٍو وَمُحَمَّدُ بنُ أَبِي زُكَيِّرٍ، عَنِ ابنِ وَهْبٍ، عَنِ ابنِ لَهِيعَةَ وَعَمْرُو بنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبَ، عَنِ ابنِ شِمَاسَةَ: حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا وَنَحْنُ عِنْدَهُ قَالَ: طُوبَى لِلشَّامِ. فَقُلْنَا: ما باله يا رسول الله؟ قَالَ: إِنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ لَبَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهِ». إِلَّا أَنَّ ابنَ لَهِيعَةَ قَالَ: "سَمِعَ زَيْدًا أَوْ حَدَّثَهُ مَنْ سَمِعَهُ".
ورواه ابن حبان في «صحيحه» (16/ 293) برقم (7304) عن عبدالله بن محمد بن سلم، قال: حدثنا حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث - وذكر ابن سلم آخر معه -، عن يزيد بن أبي حبيب، به، نحوه.
ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (5/ 158) عن أَحْمَد بن رِشْدِين الْمِصْرِيّ، عن حَرْمَلَة بن يحيى، عن ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمْرُو بن الْحَارِثِ، عن يَزِيدَ بن أبي حَبِيبٍ، عَنِ ابن شِمَاسَةَ أَنَّهُ سمع زَيْدَ بن ثَابِتٍ يقول: قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَنَحْنُ عَنْدَهُ طُوبَى لِلشَّامِ، فَقُلْنَا ما بَالُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «إِنَّ الرَّحْمَنَ لَبَاسِطٌ رَحْمَتَهُ عليه».
قلت: بحسب هذه الرواية الأخيرة فكأن ابن وهب كان يرويه أحياناً عن عمرو بن الحارث عن يزيد، وأحياناً يجمع بينه وبين ابن لهيعة، مع الميل إلى أنه رواه بالجمع، ولكن بعض الرواة أحياناً يذكر راوياً واحداً ويسقط الآخر لسبب من الأسباب، وابن رشدين ضعيف وقد اتهمه بعضهم، وقد رواه عن حرملة دون ذكر "ابن لهيعة"، ولكن رواية ابن حبان عن ابن سلم ذكر فيها، فدلّ ذلك على أن الذي أسقطه ليس ابن وهب وإنما من بعده.
ولا يُعرف هذا الحديث عن عمرو بن الحارث إلا من طريق ابن وهب، تفرد به!!
وابن وهب ثقة كبير، وحديثه كثير، وقد تفرد بأحاديث يذكرها كثيراً الطبراني في معجميه: الأوسط والصغير، وينبه على هذه التفردات! وكان - رحمه الله - راوية عمرو بن الحارث؛ ولكن استغرب روايته هذا الحديث عن عمرو وعن ابن لهيعة!! فالحديث لا يُعرف إلا من حديث ابن لهيعة، فإما أن يكون ابن وهب وهم فيه لما حدث به، وكان له نسخة عن عمرو بن الحارث، ويحتمل أن عمرو بن الحارث المصري سمع هذا الحديث من ابن لهيعة، وعمرو قد حدّث عن ابن لهيعة ومات قبله، فعندها يرجع الحديث إلى ابن لهيعة، وقد تقدّم كلام ابن يونس أن هذا الحديث إنما يعرف لابن لهيعة، فكلّ من رواه ترجع روايته إلى ابن لهيعة.
ومثل هذا الجمع الذي جمعه ابن وهب بين (ابن لهيعة وعمرو بن الحارث) مما يريب النقاد الحذّاق إذا عُلِم أن أحدهما هو من عُرف بهذا الحديث؟! بل لا يقبل أهل النقد التفرد من ابن وهب عن عمرو بن الحارث إلا باعتبارات معينة تدل على أنه رواه عنه.
وهناك أحاديث قد جمع فيها ابن وهب بين (عمرو بن الحارث وابن لهيعة) وهذا لا يعني أننا ننكر كلّ هذه الروايات فربما يكون هذا الجمع صحيح، ولكن إذا جاءت قرائن تجعل أحد هذه الروايات فيها مشكلة فإننا لا نقبلها، بل قد يكون هذا دليل على حصول وهم في بعض الروايات كما في هذا الحديث؛ فإنه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة.
ولو صحت رواية ابن وهب عن عمرو، فهناك علّة أخرى في الحديث، وهي عدم ثبوت سماع ابن شماسة من زيد بن ثابت!!