وورد في بعض الأحاديث أنهم: بـ "بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِس".
قلت: ما جاء من تفسير لهذه الطائفة هو اجتهاد من أهل العلم رحمهم الله، ومن حددّ أن هذه الطائفة في الشام اعتمد على الكلام الذي نقله مالك بن يخامر عن معاذ أنهم بالشام، وهذا لا يعدو أن يكون اجتهاداً من معاذ رضي الله عنه؛ لأنه لما رأى تلك الفتوحات في الشام، وكان هو أحد القادة للمجاهدين آنذاك فسّر الطائفة بهم لما جاء في الحديث أنهم لا يزالون يقاتلون، وهم ظاهرون.
وأما ما ذكر من رواية "أهل الغرب" فهي شاذة كما فصلته سابقاً، وكذلك الأحاديث التي فيها تعيين أنهم بالشام، أو في بيت المقدس، أو أكناف بيت المقدس! فكلّ ذلك لم يصح.
·…فقه حديث الطائفة المنصورة:
جاء في حديث ثوبان: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ على الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ من خَذَلَهُمْ حتى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ».
وحديث المغيرة: «لا تزال طَائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حتى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ». وفي بعض الروايات: «لا يَزَالُ نَاسٌ» أو: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ» ونحوها بتقديم أو تأخير حرف.
وفي بعض الروايات «لا تزَالُ عصابة».
فهذه كلمات مترادفة، وقد جاء استخدام بعضها في القرآن الكريم، ولأهل العلم في مسألة وقوع الترادف بين ألفاظ القرآن وعدمه قولان, الراجح انتفاء وقوعه, وهذا ما رجحه شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله-.
ومما يوهم الترادف بين ألفاظ الذكر الحكيم جملة كلمات تدل على الجمع، وفيما يلي بيان الفرق بينها:
الأمة: تطلق على كلّ جمع بينهم قاسم مشترك، كالدّين واللغة أو غير ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)﴾ [الأنعام].
الفريق: أفراد من جمع، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)﴾ [البقرة]، فالتحريف لم يقع من كلّ أهل الكتاب، وإنما وقع من أحبارهم.
عُصبة: جمع من الناس يتعصبون لشيء، ومنه العصابة تطلق على أربعين، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ (11)﴾ [النّور]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8)﴾ [يوسف].
النَّفر: جماعة يستنفروا لأمر فينفرون له: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)﴾ [التوبة]. ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1)﴾ [الجن].
الرهط: جمع من الناس اختلف في عددهم، فقيل: من ثلاث إلى أربعين، وقيل إلى تسع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48)﴾ [النمل].
قال العسكري في «الفروق اللغوية» (ص:280) مبيناً: (الْفرق بَين النَّفر والرهط): "أَن النَّفر الْجَمَاعَة نَحْو الْعشْرَة من الرِّجَال خَاصَّة ينفرون لقِتَال وَمَا أشبهه، ومه قَوْله عز وَجل ﴿مَا لكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله أثاقلتم إِلَى الأَرْض﴾، ثمَّ كثر حَتَّى سموا نَفرا وَإِن لم ينفروا والرهط الْجَمَاعَة نَحْو الْعشْرَة يرجعُونَ إِلَى أَب وَاحِد وَسموا رهطا تسبها بالرهط الَّذِي هُوَ قطعه شققت سيورا، وَلم تقطع أطرفها مثل الشّرك فَتكون فروعها شَتَّى وَأَصلهَا وَأحد تلبسها الْجَارِيَة يُقَال لَهَا رَهْط، وَالْجمع رهاطت قَالَ الْهُذلِيّ من الوافر: (وَطعن مثل تعطيط الرهاط ... )، وَتقول ثَلَاثَة رَهْط وَثَلَاثَة نفر لِأَنَّهُ اسْم لجَماعَة وَلَو كَانَ اسْما وَاحِدًا لم تجز إِضَافَة الثَّلَاثَة إِلَيْهِ كَمَا لَا يجوز أَن تَقول رجل وَثَلَاثَة فلس وَقَالَ عز وَجل: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَة تِسْعَة رَهْط﴾ على التَّذْكِير؛ لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ جمَاعَة فَإِن لَفظه مَذْكُور مُفْرد، فَيُقَال: تِسْعَة على اللَّفْظ، وَجَاء فِي التَّفْسِير أَنهم كَانُوا تِسْعَة رجال، وَالْمعْنَى على هَذَا: وَكَانَ فِي الْمَدِينَة تِسْعَة من رَهْط".