وقد وصل ابن حجر هذا التعليق في «تغليق التعليق» (2/ 78) من كتاب العلم لابن أبي عاصم عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن عتبة بن أبي حكيم، عمن حدثه، عن معاوية، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس تعلموا إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين».
ثم قال ابن حجر: "هكذا أورده ابن أبي عاصم، وكذا رواه الطبراني عن أحمد بن المعلى عن هشام بن عمار به. والجملة الأخيرة منه حديث صحيح مشهور من حديث معاوية أورده المؤلف في كتابه في وجه آخر، وأما حديث: (إنما العلم بالتعلم) فقد رويناه أيضاً من حديث أبي الدرداء ومن حديث ابن مسعود، والظاهر أن مراد المؤلف هو ما أوردناه أولاً من طريق ابن أبي عاصم، والله أعلم، وإنما جزم به مع أن فيه راوياً مبهماً لمجيئه من طريق أخرى".
وقال الحافظ أيضاً في ترجمة «عتبة بن أبي حكيم» من «تهذيب التهذيب» (7/ 87): "وقع في كتاب العلم من البخاري ضمناً، فإنه قال فيه عقب حديث: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين: وإنما العلم بالتعلم، وقد وصل ذلك أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب العلم من طريق صدقة بن خالد عن عتبة بن أبي حكيم هذا، وقد بينت سنده في تعليق التعليق".
قلت: جزم البخاري بهذا لا يعني أنه يرى صحته، وهو أحياناً يورد الحديث في بعض تراجم كتابه ليبين عدم صحتها، ومسألة أن البخاري إذا جزم بالتعليق فإنه يرى صحة ما جزم به يحتاج إلى دراسة واستقراء، والله أعلم.
والحديث هذا لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومجيئه من طرق أخرى لا يدل على اعتضاده؛ لأن هذه الطرق الأخرى هي أصل الحديث وهو من قول بعض الصحابة.
حكم الذهبي على هذا الحديث:
وقد نقل المناوي عن الذهبي أنه حكم بنكارة هذا الحديث.
قال في «فيض القدير» (6/ 242) متعقباً السيوطي في رمزه له بالحسن: "وروى البخاري في الصحيح معلقاً: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما العلم بالتعلم) هكذا ذكره معلقاً بهاتين الجملتين، ووصله ابن أبي عاصم من حديث معاوية. (حل عن ابن مسعود) رمز لحسنه وهو فيه تابع لابن حجر حيث قال في المختصر: إسناده حسن، لكن قال الذهبي: هو حديث منكر".
قول ابن مسعود – رضي الله عنه-:
قلت: أما قول ابن مسعود:
فرواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/ 284)، وأبو خيثمة في كتاب «العلم» (ص 28)، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي الزعراء، عن أبي الأحوص قال: قال عبدالله: «إن الرجل لا يولد عالماً، وإنما العلم بالتعلم».
ورواه البزار في «مسنده» (5/ 423) قال: حدثنا محمد بن حرب الواسطي، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، قال: حدثنا أبو الزعراء، عن أبي الأحوص، قال: سمعت عبدالله بن مسعود يقول: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة ضلالة، فعليكم بهذا القرآن؛ فإنها مأدبة الله فمن استطاع منكم أن يأخذ من مأدبة الله فليفعل، فإنما العلم بالتعلم».
قال: وحدثناه إسحاق بن بهلول، قال: حدثنا الوليد بن القاسم، قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن عبدالله، بنحوه.
قلت: فهو صحيح عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه-.
قول أبي الدرداء – رضي الله عنه-:
وأما قول أبي الدرداء:
فرواه أبو خيثمة في كتاب «العلم» (ص 28) عن جرير.
وابن السري في كتاب «الزهد» (2/ 605) عن وكيع.
وابن أبي الدنيا في كتاب «الحلم» (ص 43) عن علي بن الجعد، عن عكرمة بن إبراهيم الأزدي الموصلي قاضي الريّ.
والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 398) من طريق عبيدالله بن عمرو، ثلاثتهم عن عبدالملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة الكندي، عن أبي الدرداء قال: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحُلُمَ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطِهِ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ، ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ لَمْ يَسْكُنِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَلَا أَقُولُ الْجَنَّةَ: مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ اسْتَقْسَمَ أَوْ رَجعهُ مِنْ سَفَرِ تَطَيُّرٌ».