·…قول ابن قدامة المقدسي:
وقال ابن قدامة في «المغني» (9/ 168): "وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفاً لأنهم أحوج ومقامه به أنفع. قال أحمد: أفضل الرباط أشدهم كلبا، وقيل لأبي عبدالله: فأين أحب إليك أن ينزل الرجل بأهله؟ قال: كل مدينة معقل للمسلمين مثل دمشق، وقال: أرض الشام أرض المحشر، ودمشق موضع يجتمع إليه الناس إذا غلبت الروم. قيل لأبي عبدالله: فهذه الأحاديث التي جاءت، إن الله تكفل بالشام ونحو هذا؟ قال: ما أكثر ما جاء فيه، وقيل له: إن هذا في الثغور فأنكره، وقال: أرض القدس أين هي، ولا يزال أهل الغرب ظاهرين هم أهل الشام. ففسر أحمد الغرب في هذا الحديث بالشام، وهو حديث صحيح رواه مسلم، وإنما فسره بذلك؛ لأن الشام يسمى مغرباً؛ لأنه مغرب للعراق كما يسمى العراق مشرقاً، ولهذا قيل: ولأهل المشرق ذات عرق، وقد جاء في حديث مصرحاً به: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم بالشام، وفي الحديث عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال: وهم بالشام. رواه البخاري في صحيحه، وفي خبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة بدمشق ظاهرين) أخرجه البخاري في التاريخ، وقد رويت في الشام أخبار كثيرة منها: حديث عبدالله بن حوالة الأزدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستجندون أجنادا جندا بالشام وجندا بالعراق وجندا باليمن)، فقلت: خر لي يا رسول الله، قال: (عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده فمن أبى فليلحق باليمن ويشق من غدره فإن الله تكفل لي بالشام وأهله)، رواه أبو داود بمعناه، وكان أبو إدريس إذا روى هذا الخبر قال: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه".
·…قول ابن تيمية:
وقال ابن تيمية في كتاب «النبوات»: "وفي صحيح مسلم عنه أنّه قال: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم"، أهل المغرب هم أهل الشام. قال أحمد بن حنبل، وغيره: أهل المغرب: أهل الشام؛ أي أنّها أول المغرب؛ فإن التغريب والتشريق أمر نسبيّ؛ فلكل بلد غرب وشرق، وهو صلى الله عليه وسلم تكلّم بمدينته؛ فما تغرب عنها فهو غرب، وما تشرق عنها فهو شرق، وهي مسامتة أول الشام من ناحية الفرات؛ كما أنّ مكة مسامتة لحرّان، وسُمَيْسَاط ونحوهما".
وقال في «مجموع الفتاوى»: "قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: أَهْلُ الْمَغْرِبِ هُمْ أَهْلُ الشَّامِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لُغَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي ذَاكَ الزَّمَانِ كَانُوا يُسَمُّونَ أَهْلَ نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ أَهْلَ الْمَشْرِقِ وَيُسَمُّونَ أَهْلَ الشَّامِ أَهْلَ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ التَّغْرِيبَ وَالتَّشْرِيقَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ فَكُلُّ مَكَانٍ لَهُ غَرْبٌ وَشَرْقٌ؛ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فَمَا تَغَرَّبَ عَنْهَا فَهُوَ غُرْبَةٌ وَمَا تَشَرَّقَ عَنْهَا فَهُوَ شرقة. وَمَنْ عَلِمَ حِسَابَ الْبِلَادِ - أَطْوَالَهَا وَعُرُوضَهَا - عَلِمَ أَنَّ الْمَعَاقِلَ الَّتِي بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ - كَالْبِيرَةِ وَنَحْوِهَا - هِيَ مُحَاذِيَةٌ لِلْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا أَنَّ مَا شَرَّقَ عَنْهَا بِنَحْوِ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَحَرَّانَ وَمَا سَامَتَهَا مِثْلُ الرَّقَّةِ وسميساط فَإِنَّهُ مُحَاذٍ أُمَّ الْقُرَى مَكَّةَ. شَرَّفَهَا اللَّهُ. وَلِهَذَا كَانَتْ قِبْلَتُهُ هُوَ أَعْدَلَ الْقِبَلِ فَمَا شَرَّقَ عَمَّا حَاذَى الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ فَهُوَ شَرْقُهَا وَمَا يَغْرُبُ ذَلِكَ فَهُوَ غَرْبُهَا. وَفِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا مِثْلُ "مُسْنَدِ أَحْمَد" وَغَيْرِهِ عِدَّةُ آثَارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْأَصْلِ: مِثْلُ وَصْفِهِ أَهْلَ الشَّامِ "بِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ مُنَافِقُوهُمْ مُؤْمِنِيهِمْ". وَقَوْلِهِ: "رَأَيْت كَأَنَّ عَمُودَ الْكِتَابِ - وَفِي رِوَايَةٍ - عَمُودَ الْإِسْلَامِ أُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي فَأَتْبَعْته نَظَرِي فَذُهِبَ بِهِ إلَى الشَّامِ"، وَعَمُودُ الْكِتَابِ وَالْإِسْلَامِ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَهُمْ حَمَلَتُهُ الْقَائِمُونَ بِهِ. وَمِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ"، وَمِثْلُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: "وَهُمْ بِالشَّامِ" وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: "وَهُمْ بِدِمَشْقَ" وَرُوِيَ: "وَهُمْ بِأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ ابنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ مُظِلَّةٌ أَجْنِحَتَهَا بِالشَّامِ". وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُتَعَاضِدَةٌ ... ".