·…المقرّي التلمساني (ت 1041 هـ):
قال المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» (2/ 198) وهو يتحدث عن الفقيه المشهور (ابن سبعين): "وها أنا أصف لك بعض ما خصه الله سبحانه وتعالى به من الأمور التي هي خارقة للعادة ونلغي عن الأمور الخفية التي لا نعلمها ونقصد الأمور الظاهرة التي نعلمها والتي لا يمكن أحداً أن يستريب فيها إلا من أصمه الله تعالى وأعماه ولا يجحدها إلا حسود قد أتعب الله تعالى قلبه وأنساه رشده ونعوذ بالله ممن عاند من الله تعالى مساعده ومؤيده وهو معه بنصره وعونه فما أتعب معانده، وما أسعد موادده، وما أكبت مرادده فنبدأ بذكر ما وعدنا فنقول: أول ما ذكر في شرفه واستحقاقه لما ذكرنا كونه خلقه الله تعالى من أشرف البيوت التي في بلاد المغرب وهم (بنو سبعين)، قرشيّاً هاشميّاً علويّاً، وأبواه وجدوده يشار إليهم، ويعوّل في الرئاسة والحسب والتّعين عليهم.
والثاني: كونه من بلاد المغرب، والنبي عليه السلام قال: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين إلى قيام الساعة" وما ظهر من بلاد المغرب رجل أظهر منه، فهو المشار إليه بالحديث، ثمّ نقول: أهل المغرب أهل الحق، وأحق الناس بالحق وأحق المغرب بالحق علماؤه لكونهم القائمين بالقسط، وأحق علمائه بالحق محقّقهم وقطبهم الذي يدور الكل عليه ويعول في مسائلهم ونوازلهم السهلة والعويصة عليه، فهو حق المغرب، والمغرب حقّ الله تعالى، والملّة حقّ العالم، فهو المشار إليه بالوراثة، ثم نقول: أهل المغرب ظاهرون على الحق ... ".
قلت: هذا ما كتبه بعض علماء المغرب في الاحتجاج بهذه الرواية في أنهم هم المقصودون بهذا الحديث.
وقد حصل بسبب هذا التعصب للأوطان قديماً وحديثاً، وليس كما قال أحدهم: "اعلم أنه من القديم نصبت المناظرة بين المشرق والمغرب وكان التنافس حاداً على نيل السؤدد والرياسة لا بين الملوك فحسب كما حدث بين الأيوبيين بالمشرق والموحدين بالمغرب، بل حتى بين العلماء والأدباء وليس ذلك من قبيل العصبية للأوطان بل هي جادة مطروقة عند العلماء من قديم كما ترى في تآليفهم في فضائل البلدان، وتراجم علماء الأوطان. قال الراعي الأندلسي وهو يعدد فضائل أهل المغرب كما في "انتصار الفقير السالك": "فالمغاربة أكثر حزماً من المشارقة، وأشد اتباعا وأصح نظرا…". وقال أيضاً:
للغرب فضل شائع لا يجهل *** ولأهله شرف ودين مكمل
ظهرت به أعلام حق حققت *** ما قاله خير الأنام المرسل
فلأهله حتى القيامة لن يزالوا *** ظاهرين على الهدى لن يخذلوا
إشارة إلى الحديث الوارد في أحد فصول البحث وهو: لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق…ومن المفارقات العجيبة في هذا الباب افتخار مغربي بفضل المشرق على المغرب كما وقع مع الإمام الأندلسي صاحب الرحلة المشهورة إلى المشرق حيث قال في شعر له:
لا يستوي شرق البلاد وغربها *** الشرق حاز الفضل باستحقاق
انظر لحال الشمس عند طلوعها *** زهراء تصحب بهجة الإشراق
وانظر لها عند الغروب كئيبة *** صفراء تعقب ظلمة الآفاق
وكفى بيوم طلوعها من غربها *** أن تؤذن الدنيا بوشك فراق" انتهى.
قلت: إن لم يكن هذا هو التعصب للأوطان، فلا أدري ما هو التعصب إذن؟!!!
وهل طرق العلماء لهذه المفاضلة بين المشرق والمغرب يخرجها من باب التعصب ويجعلها جادة عادية كما ذكر الأخ؟!!
فعلماء المغرب وطلبة العلم – ثبتهم الله – أصبح هذا الأمر في نفوسهم معتقدين به، لا يحيدون عنه.
يقول الدكتور طه عبدالرحمن في بحث له بعنوان: "الإسهام المغربي في التراث الإسلامي إسهام أخلاقي - عمل المغاربة الخُلُقي في مصر نموذجاً" المنشور في "مجلة التاريخ العربي": "لقد عُرِف المغاربة في المشرق، منذ أن أخذوا يفدون عليه بعد الفتح الإسلامي، بالعكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، حتى فاقوا غيرهم عددا ومَدَدا في المجاورة بالحرمين الشريفين والحرم الأقصى، واشتهروا عند أهله بكونهم من أشد المسلمين تمسكاً بالكتاب والسنة عند انتشار البدع وظهور الفساد، حتى وقر في القلوب أنهم هم المقصودون بالحديث الشريف: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة "؛ كما شَهِد رجال الأخلاق بالمشرق لنظرائهم من المغاربة برسوخ القدم في التربية الخلقية والتزكية الروحية، وقدَّموهم على أنفسهم في إرشاد من يقصدهم، طلبا للتخلق والتحقق بمكارم الأخلاق ... ".