ولنفرض أن هذا الحديث قد رواه أبو عثمان النهدي عن سعد، وسمعه داود بن أبي هند، فيكون داود قد وهم في ضبط متن الحديث وذكر تحديد هذه الطائفة أنها في "الغرب" أو "المغرب" خطأ. وكان – رحمه الله – ثقة، لكنه تغير في آخر عمره.
قال ابن حبان: "روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه، وكان من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات إلا أنه كان يهم إذا حدث من حفظه".
وقال الأثرم عن أحمد: "كان كثير الاضطراب والخلاف".
قلت: خرّج له البخاري في التعاليق، وروى له مسلم والأربعة.
قال الذهبي في «الميزان» (3/ 17): "داود بن أبي هند: حجة، ما أدري لم لم يخرج له البخاري".
وقال ابن حجر في «التقريب» (ص 200): "داود بن أبي هند القشيري مولاهم أبو بكر، أو أبو محمد البصري، ثقة متقن، كان يهم بأخرة. مات سنة أربعين، وقيل قبلها".
قلت: كان عُمر هشيم عندما مات داود (36 سنة) لأنه ولد سنة (104 هـ)، فهذا يجعل احتمال أن هشيماً سمع منه بأخرة قوي جداً. فيحتمل أنه سمع منه هذا الحديث عندما كان ينزل داود واسطاً، ويحتمل أن هذا الحديث لا يعرف عن داود أصلاً؛ لأنه لا يوجد عند الثقات من البصريين، وإنما يوجد عند الضعفاء، فلما جاء هشيم إلى البصرة أخذه من هؤلاء الضعفاء ودلّسه، والله أعلم.
وعلى كل الأحوال فهذا اللفظ «أهل الغرب» أو «أهل المغرب» ليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لفظ شاذ، لا يُخصص الروايات الكثيرة الأخرى التي لم تقيّد مكان وجود هذه الطائفة.
·…لفظ «أهل الغرب» و «أهل المغرب»:
جاء في نسخ صحيح مسلم المعتمدة: «أهل الغرب»، وجاء في بعض النسخ «أهل المغرب».
قال الهندي في «كنز العمال» (12/ 136) برقم (35130) –"لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" م - عن سعد".
وجاء في بعض الكتب كمستخرج أبي عوانة وغيره: «أهل المغرب».
ومن هنا اتكأ بعض أهل العلم والمتحمسين من إخواننا من أهل المغرب العربي على هذا اللفظ في ثبوت هذا الحديث في بلادهم!!
وقد اختلف أهل العلم في المقصود بهذه الطائفة، وسيأتي الكلام حول ذلك إن شاء الله.
·…من استدل من أهل العلم بهذا اللفظ «أهل المغرب» في فضل بلدان المغرب والأندلس:
على عادة ما طُبع عليه الإنسان من حبّ البلد التي ولد ونشأ فيها استدل بعض خيار أهل العلم بهذا اللفظ في أن المقصود به البلدان الواقعة في المغرب العربي (المغرب والجزائر وتونس والأندلس).
ومشى على ذلك بعض طلبة العلم من تلك البلاد، بل وصل الحال ببعضهم حد تسفيه من يقول بخلاف هذا، ويكأن هذا الحديث سبب مشكلة "عنصرية" بين أهل المشرق وأهل المغرب!! والله المستعان.
ومن أهل العلم الذين استشهدوا بهذا اللفظ «أهل المغرب» على أن المقصود به بلاد المغرب العربي والأندلس:
·…أبو العرب الأفريقي (ت 333 هـ):
ساق الحديث بهذا اللفظ في مقدمة كتابه «طبقات علماء إفريقية» في "مَا جَاءَ مِنَ الْفَضَائِلِ فِي إِفْرِيقِيَّةَ" (ص 10)، وقد سبق نقله.
·…أبو عبدالله محمد بن أبي نصر فتوح الحُميدي (ت 488 هـ):
قال في كتاب «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس»: "وقد جاء في فضل المغرب غير حديث؛ من ذلك ما أخرجه مسلم بن الحجاج في الصحيح. رواه عن يحيى بن يحيى، عن هشيم بن بشير الواسطي، عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان النهدي، عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، وهذا النص وإن كان عاماً لما يقع عليه، فللأندلس منه حظ وافر لدخولها في العموم، ومزية لتحققها بالغرب وانتهاء آخر المعمور فيه، وبعض ساحلها الغربي على البحر المحيط، وليس بعده مسلك".
·…أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي (ت 520 هـ):
كتب الطرطوشي إلى يوسف بن تاشفين: "ومما اتحفك به وهو خير لك من طلاع ذهباً لو أنفقته في سبيل الله: حديث رواه الأئمة الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: روى مسلم في كتابه الصحيح نقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تزال طائفة من أهل المغرب ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله" والله أعلم هل أرادكم رسول الله معشر المرابطين أو أراد بذلك جملة بلاد المغرب وما هم عليه من التمسك بالسنة والجماعة وطهارتهم من البدع والإحداث في الدين والاقتفاء بأثر من السلف الصالح رضي الله عنهم. وإنا لنرجو أن تكون أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض، ولقد كنا في الأرض المقدسة ـ جبر الله مصابها ـ تترى علينا أخبارك وما قمت به من أداء فريضة الله ـ تعالى ـ في جهاد عدوه وإعزاز دينه وكلمته، وكان من هناك من العلماء والفقهاء وحماة الدين والعباد والزهاد يدعون الله ـ سبحانه وتعالى ـ في نصرك وتأييدك والفتح على يدك".