تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: حماد بن سلمة أوثق من الحشرج، والطرق الأخرى عن سعيد بن جمهان منكرة لا تصح، وهذه القصة أقرب للصواب عن ابن جهمان، ولا يوجد فيها أن ابن أبي أوفى نعتهم بكلاب النار أو رفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، لكن قوله: «طُوبَى لِمَنْ قَتْلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ» يخالف ما في الصحيحين: «فإذا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فإن في قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يوم الْقِيَامَةِ»، وقد ورد من طرق أخرى لكن أسانيدها ضعيفة.

وسعيد بن جهمان وثقه ابن معين وأبو داود، ومشّاه النسائي، وضعفه أبو حاتم الرازي.

قال أبو حاتم: "يُكتب حديثه ولا يحتج به".

وقال البخاري: "في حديثه عجائب".

وقال الساجي: "لا يُتابع على حديثه".

قلت: هو صدوق له أحاديث يتفرد بها، وفيها مناكير، فلا يُقبل حديثه إذا تفرد به.

فالحديث عن ابن أبي أوفى لا يصح.

والغريب أن سعيد بن جهمان الذي يروي هذا عن الخوارج كان قد مال إليهم وكاد أن يلحق بهم!

فقد روى ابن أبي شيبة في «المصنف» (7/ 555) عن يزِيدُ بن هارُونَ، قال: أخبرنا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن سَعِيدِ بن جَهْمَانَ قال: «كانت الْخَوَارِجُ قد دَعَوْنِي حتى كِدْت أَنْ أَدْخُلَ فِيهِمْ، فَرَأَتْ أُخْتَ أبي بِلاَلٍ في الْمَنَامِ كَأَنَّهَا رَأَتْ أَبَا بِلاَلٍ أَهْلَبَ، فَقُلْت: يا أَخِي ما سِنَانُك؟ قال: فقال، يا أُخْتِي سِنَانُك، قال: فقال، جُعِلْنَا بَعْدَكُمْ كِلاَبَ أَهْلِ النَّارِ».

قلت: فلا أستبعد أن لفظ «كلاب أهل النار» في حديث ابن جهمان عن ابن أبي أوفى أصله هذا المنام، والله أعلم. والمنام لا يثبت حكماً.

·…حديث الأعمش عن عبدالله بن أبي أوفى:

رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (7/ 553) قال: حدثنا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، عن الأَعْمَشِ، عَنِ ابن أبي أَوْفَى قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الخَوَارِجُ كِلاَبُ النَّارِ».

ورواه ابن ماجه في «سننه» (1/ 61) عن أبي بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ، به.

ورواه أحمد في «مسنده» (4/ 355) عن إِسْحَاق بن يُوسُفَ، به.

قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (6/ 241): "هذا رواه الناس عن إسحاق الأزرق عن الأعمش، وقد طلب الأعمش وكتب العلم بالكوفة قبل موت عبدالله بن أبي أوفى بأعوام وهو معه ببلده، فما أبعد أن يكون سمع منه".

قلت: هذا محتمل، لكن أهل النقد نفوا سماع الأعمش من ابن أبي أوفى، وقد ذكر الترمذي أنه لم يسمع من أحد من الصحابة.

قال الدارقطني في «الغرائب والأفراد» [كما في الأطراف: 4/ 182]: "لم يزل شيوخنا رحمهم الله يقولون غريب عن أيوب بن معتمر بن ثابت: حدثنا إسحاق الأزرق، تفرد بهذا عن الأعمش حتى وجدنا أهل خراسان قد رووه عن شيخ يقال له: سعيد بن الصباح عن الثوري عن الأعمش، وحدث به الكديمي عن شيخ له عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش، والله أعلم".

ورواه أبو نُعيم في «حلية الأولياء» (5/ 56) قال: حدثنا الحسين بن محمد الزبيري، قال: حدثنا أبو تراب أحمد بن حمدون الأعمش ومحمد بن إبراهيم بن مسلم، قالا: حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن ابن أبي أوفى، فذكره.

قلت: فقد توبع إسحاق الأزرق عن الأعمش كما في هذه الروايات، تابعه سفيان الثوري وأبو بكر بن عيّاش.

قال أبو نُعيم الأصبهاني: "يُقال أن هذا الحديث مما خصّ به الأعمش إسحاق الأزرق، ويذكر أنه مما تفرد به إسحاق، ورُوي من حديث الثوري عن الأعمش".

قلت: الطريق التي رُويت عن الثوري غريبة! وقد قال ابن عدي في «الكامل» (6/ 299): "وليس للأعمش عن ابن أبي أوفى إلا حديث الخوارج، رواه إسحاق الأزرق عن الأعمش".

وعلى فرض ثبوت تلك الرواية عن الثوري عن الأعمش فتبقى المسألة في سماع الأعمش من ابن أبي أوفى، ولم يثبت، وقد نفى ذلك أحمد وغيره. قال أبو حَاتِم: "الأعمش لم يسمع من ابن أبي أوفى".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٤١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٤١٤