والمسألة ليست في سماع أبي عزة من شهر، وإنما في هل حدّث به شهر أم لا؟! وإلا قد ثبت لقاؤه به كما روى هو بسند صحيح إليه قال: رأيتُ على شَهْر بن حَوْشَب ملحفة جلجون فقال له فرقد السبخي أليس يكره هذا قال شهر ذلك في الذي يصبغ في الزعفران.
وهذا يدل على أنه لقيه في البصرة، وفَرقد السّبخي بصري باتفاق. وهو في الأصل من الكوفة لكنه نزل الْبَصْرَة كما قال ابن معين.
وما جاء في الإسناد من تصريح بسماعه من شهر فلا يعدّ دليلاً على صحته، فكم من حديث يذكر السماع فيه ولا يصح، يخطىْ فيه الثقات فكيف بالضعفاء! وهذا باب واسع في العلل يسمى: "السماع الذي لا يصح".
ومما يُستنكر في هذه الرواية أن شهراً هو الذي سأل أبا أمامة عن بكائه! وفي حديث أبي غالب أنه هو الذي سأل!! فمن الذي سأل؟ شهر أم أبو غالب؟ أم الاثنان معاً؟!! ولأن الحديث حديث أبي غالب فهذا يدلّ على أن شهراً لا علاقة له بالحديث، والله أعلم.
·…حديث تميم بن مرداس الغنوي عن أبي أمامة:
رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (11/ 91) من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرني من سَمِع شيخاً من أهل حمص يُقال له: تميم بن مرداس مولى أنيس بن أبي مرثد الغنوي، قال: «جيء برؤوس ناس من الحرورية فنصبت على باب حمص أو دمشق - الذي يحدثني يشك – قال: فرآها أبو أمامة فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رحمة لهؤلاء الأشقياء، ثم قال: شر قتلى تحت ظل السماء كلاب النار لهم مخبثة من أصابها أضلوه ومن أخطأها قتلوه، من قتلوه دخل الجنة، ومن قتلهم فاز».
قال تميم بن مرداس: "أنا سمعته من أبي أمامة".
قلت: هذا إسناد فيه جهالة، فشيخ الوليد بن مسلم مجهول، وتميم كذلك مجهول، ولا يُعرف إلا في هذا الحديث، وقد ترجم له ابن عساكر، فقال: "تميم بن مرداس الغنوي مولى أنيس بن أبي مرثد من أهل حمص، قيل: إنه دخل دمشق وحدث عن أبي أمامة الباهلي، روى عنه شيخ للوليد بن مسلم لم يُسمّه"، ثم ساق له هذا الحديث.
·…حديث صفوان بن سُليم المدني عن أبي أمامة:
رواه الإمام أحمد في «مسنده» (5/ 269) قال: حدثنا أَنَسُ بن عِيَاضٍ، قال: سمعت صَفْوَانَ بن سُلَيْمٍ يقول: «دخل أبو أُمَامَةَ الْبَاهِلِىُّ دِمَشْقَ فَرَأَى رؤوس حَرُورَاءَ قد نُصِبَتْ، فقال: كِلاَبُ النَّارِ كِلاَبُ النَّارِ ثَلاَثاً، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَى من قَتَلُوا، ثُمَّ بَكَى، فَقَامَ إليه رَجُلٌ، فقال: يا أَبَا أُمَامَةَ، هذا الذي تَقُولُ من رَأْيِكَ أَمْ سَمِعْتَهُ؟ قال: إني إذاً لجريء، كَيْفَ أَقُولُ هذا عن رَأْي! قال: قد سَمِعْتُهُ غير مَرَّةً وَلاَ مَرَّتَيْنِ، قال: فما يُبْكِيكَ؟ قال: أَبْكِي لِخُرُوجِهِمْ مِنَ الإِسْلاَمِ، هَؤُلاَءِ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاتَّخَذُوا دِينَهُمْ شِيَعاً».
قلت: هذا منقطع. فصفوان بن سُليم لم يسمع من أبي أمامة الباهلي، بل لم يسمع من أي صحابي، وقيل رأى أبا أمامة سهل بن حنيف وعبدالله بن بُسر. وأنس بن عياض أبو ضمرة الليثي آخر من حدّث عنه، ولا نعرف من حدّثه بهذا الحديث! فالحديث منقطع لا يُحتج به.
فهذه هي المتابعات لحديث أبي غالب عن أبي أمامة، وبمجموعها صحح بعض العلماء المتأخرين والمعاصرين هذا الحديث وحسنه بعضهم ضمن منهجهم في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد!
وهذا المنهج فيه إسراف بذلك! فهم يتوسعون في تقوية الحديث الضعيف بمتابعات وشواهد ضعيفة بل واهية ومنكرة! بخلاف الأئمة المتقدمين الذين كانوا يصححون الحديث بنفسه، ويأتون بالمتابعات والشواهد زيادة على الصحة أو لفوائد أخرى كما هو منهج البخاري ومسلم في صحيحيهما، ولبس هذا محل الكلام عليها.
·…شاهد لحديث أبي أمامة:
·…حديث عبدالله بن أبي أوفى:
رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» برقم (822) قال: حدثنا الحَشْرَجُ، قال: حدثنا سَعِيدُ بن جُمْهَانَ، قال: أَتَيْتُ عَبْدَاللَّهِ بن أبي أَوْفَى – صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- وكان يومئذ مَحْجُوب البَصَرِ، فقلت: أنا سَعِيدُ بن جُمْهَانَ، قال: ما فَعَلَ أبوك؟ قلت: قَتَلَتْهُ الأَزَارِقَةُ، فقال: رحمه الله، ثم قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إنهم كِلاَبُ النَّارِ».