وهذا لا يُعرف عن أبي أمامة إلا عنه!
والذي يظهر أنه أخذ الحديث من أبي غالب وكان عنده في البصرة، وإلا فلا نعلم أنه سمع من أبي أمامة، فكيف نقوّي حديث من هو منكر الحديث (أبو غالب) بحديث مجهول الحال (سيّار)!
فالحديث ضعيف لجهالة حال سيّار وعدم معرفة سماعه من أبي أمامة.
·…حديث شدّاد بن عبدالله أبي عمّار عن أبي أمامة:
روى الحاكم في «المستدرك» (2/ 163) عن أبي الحُسَيْنِ بن مُوسَى الْحُنَيْنِيُّ، قال: حدثنا أَبُو حُذَيْفَةَ النَّهْدِيُّ، قال: حدثنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمَّارٍ، عَنْ شَدَّادِ بنِ عَبْدِاللَّهِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ الْحَرُورِيَّةِ عِنْدَ بَابِ دِمَشْقَ وَهُوَ يَقُولُ: «كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ - قَالَهَا ثَلَاثًا - خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ»، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، أَرَأَيْتَ قولك هؤُلَاءِ كِلَابُ النَّارِ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ مِنْ رَأْيِكَ؟ قال: إِنِّي إِذًا لجَرِيءٌ لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَعَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ قالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي رَأَيْتُكَ قَدْ دَمَعَتْ عَيْنَاكَ، قَالَ: إِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الْآيَةُ فَهِيَ لَهُمْ مَرَّتَيْنِ.
ثم رواه من طريق النَّضْر بن مُحَمَّدٍ، قال: حدثنا عِكْرِمَةُ بنُ عَمَّارٍ، قال: حدثنا شَدَّادُ بنُ عَبْدِ للَّهِ أَبُو عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رُءُوسِ الْحَرُورِيَّةِ عَلَى بَابِ حِمْصَ - أَوْ بَابِ دِمَشْقَ - وَهُوَ يَقُولُ: «كِلَابُ النَّارِ كِلَابُ النَّارِ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ». ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي حُذَيْفَةَ.
قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وحَدِيثُ مُسْلِمٍ فِي الْمُسْنَدِ الصَّحِيحُ عَنْ نَصْرِ بنِ عَلِيِّ بنِ عُمَرَ بنِ يُونُسَ بنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ، عَنْ شَدَّادٍ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ تَبْذُلُ الْفَضْلَ) الْحَدِيثَ، وإِنَّمَا شَرَحْنَا القَوْلَ فِيهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ على هذَا الْمَتْنِ طُرُقُ حَدِيثِ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".
قلت: هذا حديث معلول! وهذا الإسناد يروي به عكرمة بن عمّار أحاديث، لكن هذا المتن لا يُعرف إلا من حديث أبي غالب عن أبي أمامة، ولا يُعرف من حديث شدّاد عن أبي أمامة، ومع أن الحاكم قد وضع يده على علّة الحديث إلا أنه تساهل – كما هي عادته في كتابه- فصححه لصحة الإسناد! ودعم ذلك بأن مسلماً أخرج بهذا الإسناد حديثاً في صحيحه!
لكن ليس كل حديث بإسناد ما يُعد صحيحاً دائما، فربّ علة خفية طرأت على هذا الإسناد كما هو الحال في حديثنا، فإنه قد دخل لعكرمة حديث في حديث! ودليل ذلك ما عنده من أوهام وأغلاط وكلام أهل العلم فيه، وكذلك أن هذا المتن معروف بأبي غالب.
وعكرمة وثّقه بعض العلماء كابن معين وأبو داود والعجلي والدارقطني.