تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل قائل يقول: ما المانع بأن يتفرد بها وإن كانت القصة رآها كثير من الناس ولم يروها إلا هو، فها هو علقمة بن قاص تفرد عن عمر بحديث إنما الأعمال بالنيات مع أن عمر صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله على المنبر ولم يروه إلا عمر!

قلت: هذا قياس فاسد من جهتين: الأولى: علقمة ثقة وأبو غالب منكر الحديث! والثانية: حديث الخوارج مروي من طرق كثيرة صحيحة وليس فيه "الخوارج كلاب النار"، وأما حديث عمر فطريقه صحيح ولا يوجد ما يخالفه، فلو أن أبا غالب ثقة ولم يأت الحديث إلا من طريقه لوجب علينا قبوله مثل حديث علقمة! فكيف وهو ضعيف وفي حديثه نكارة لا توجد في الأحاديث الأخرى الصحيحة المروية عن عليّ الذي قاتلهم، وأبي سعيد الخدري الذي كان مع عليّ في قتالهم، بل وأبو أمامة الذي كان مع من قاتلهم في النهروان.

وأنا سائر على منهج أهل النقد في مظنة الاتهام ولو بحديث واحد أو قصة واحدة، وقد اقتفيت أثرهم في ذلك، فهم قد فعلوا ذلك في الإتيان بإشارات لمن يتهمونه بوضع الحديث، وكونهم لم يتهموا هذا الرجل لا يعني أنه ليس فيه لمن أثبت ذلك ضمن منهجهم.

وعادة النقاد عندما يقفون على أمر ما يكرره الراوي فإنهم يشكّون فيه! كمن تخصص في رواية أحاديث باب معين لا يُعرف إلا عنه، وهو ضعيف!

وكذلك من شدة ضعفهم فإنه قد يحبّ باباً ما يأتي بأحاديث في ذلك الباب توهماً، وربما في بعض كلام بعض الأئمة اتهام له، مع عدم الجزم بذلك.

فهذا شهر بن حوشب كان شديد الضعف ولم يُتّهم، لكن الجوزجاني الناقد لما نظر في حديثه وقف له على حديثين يرويهما عن صحابي وصحابية وكلا الحديثين يبدأ بقول الصحابي والصحابية: "كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله ... ".

فقال الجوزجاني: كأنه – أي شهر- كان مغرماً بزمام ناقة رسول الله.

فيحتمل أن في كلامه إشارة لاتهامه وإن كنت أستبعد ذلك لأنه كان يؤتى من حفظه!

ولم أخرج عن ذلك لما وجدت ما يشبه ذلك في حديث أبي غالب بقوله في بعض الأحاديث: "فسألته: سمعت هذا من رسول الله .. فقال: إن لم أكن سمعته مرة أو مرتين أو عشرة أو عشرين مرة فلم أسمعه".

فالاتهام قد يقوم على حديث واحد لا على كل الأحاديث، ولهذا أنا أتيت بحديثين وقصتين واضحتين تثبتان هذا على أبي غالب، وكلامي في هذا السياق وهو الاتهام بالوضع ... وأما الأحاديث الأخرى التي يرويها عن أبي غالب وهي مروية من طرق أخرى، فنعم بعضها مروي من طرق أخرى صحيحة عن صحابة آخرين، ولكنها لا تعرف عن أبي أمامة إلا من طريق أبي غالب! فكيف ينفرد بها وهو غريب – بصري- عن أصحاب أبي أمامة الشاميين!!! وهذه قرينة أخرى لاتهامه!! وإن أشار العلماء إلى أنه منكر الحديث!

وهناك علاقة بين حكم النقاد على راو بأنه منكر الحديث والاتهام بالكذب، فمن عرف مدلولات ألفاظهم عرف ذلك؛ لأن النكارة إما أنها تأتي من الكذب أو الغفلة وغيرها، فمن عرف بأنه مغفل وشدة ضعفه وتخليطه فهذا لا يتهمه العلماء، وأما من جاء بالمناكير وفيها ما يدل على الوضع فهذا يتهمونه!

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/ 31): سألت أبي عن عبدالجبار بن عمر الأيلي؟ فقال: "ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً، ليس محلّه الكذب".

قلت: فنفي الإمام الكذب عنه لأن النكارة مستلزمة للكذب غالباً.

وذكر ابن أبي حاتم (4/ 185): "سالم بن عبدالله الكلابي. روى عن أبي عبدالله القرشي عَنِ ابنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال: «خضاب الصفرة للمؤمن، وخضاب الحمرة للمسلم وخضاب السواد للكافر» وهو حديث منكر شبه الموضوع".

فانظر كيف حكم على أنه شبه موضوع لنكارته.

وقال في موضع آخر (6/ 21) سمعت أبي يقول: "عبدالواحد بن سليم حدثنا حديثاً منكراً، أحاديثه موضوعة".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٤٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٤٠٧