ومنها: ما رواه ابن عساكر في «تاريخه» (12/ 372) من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي غالب، قال: «خرجت من الشام في ناس فنزلنا منزلاً بحضرة قرية عظيمة خربة فدخلتها انظر فيها، فرأيت بيتاً مسقفاً فيه روزنة في الروزنة سلة، ورأيت جرة فيها ماء، ورأيت اثر وضوء، قلت لنفسي: إن لهذا البيت عامرا، هذا رجل يكون بالنهار في الجبل ويأوي بالليل إلى هذا البيت، فقلت لأصحابي إن لي حاجة أحب أن تبيتوني الليلة في هذا المكان، قالوا: نعم، فتأهبت حتى إذا صليت مع أصحابي المغرب قال: فقمت وجئت حتى دخلت ذلك البيت وجلست في ناحية البيت حتى اختلط الظلام، فإذا أنا بشخص إنسان يجيء من نحو الجبل، فجعل يدنو حتى قام على باب البيت فوضع يديه على عضادتي البيت فحمد الله بمحامد حسنة، ثم سلم فدخل فجلس، ثم تناول السلة فأخذها فوضعها بين يديه ففتحها، وأخرج منها شيئاً فوضع ثم سمى وأكل وجعل يحمد الله ويأكل حتى فرغ، فلما فرغ أعاد السلة مكانها، ثم قام فأذن، ثم أقام، ثم صلى وصليت بصلاته فلما قضى صلاته وضع رأسه فنام غير كثير، ثم قام فخرج يتباعد، ثم رجع فأخذ الجرة فحلها، ثم جاء فأعادها مكانها، ثم توضأ، ثم جاء فقام في المسجد فكبَّر، ثم استعاذ فقرأ وقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة قراءة لم أسمع مثلها قط من أحد أحزن ولا يمر بآية فيها ذكر الجنة إلا وقف وسأل الله الجنة، ولا يمر بآية فيها ذكر النار إلا وقف وبكى، وتعوذ بالله من النار، ثم أوتر وأصبح لما أصبح إذ ركع ركعتي الغداة ركعت أنا، ثم أقام وصلى الغداة وصليت بصلاته.
قال أبو غالب: ثم قمت رويداً فخرجت لم يشعر بي، ثم جئت وسلمت فرد عليّ السلام، قال: قلت ادخل؟ قال: ادخل، قال: فدخلت، فقلت له: أجنّي أنت أم إنسي؟ قال: سبحان الله، بل إنسي، قلت: فما أنزلك ههنا؟ قال: ما لك ولذلك؟ قال: كلمته وقبلته فجعل يكتمني آمره، قال: قلت أني بت الليلة معك في بيتك، قال: خنتني، قلت: ما خنتك، قال: قد فعلت، قلت: يرحمك الله إني لم أضع ذلك لبأس، إني أخوك وإني طالب خير وليس عليك من بأس، قال: فسكن، قلت: حدثني ممن أنت؟ قال: أنا من أهل الكوفة، قلت: فمذ كم مكثت هنا؟ قال: من سبع سنين، قلت: فما عيشك؟ قال: الله يرزقني، قلت: على ذاك، ما عيشك؟ قال: لا اشتهي شيئا بالنهار إلا وجدته في سلتي، قلت: والطري - يعني السمك – قال: والطري؟ قلت: كيف تصنع؟ قال: أكون في النهار في الجبل، فإذا كان الليل أويت إلى هذا البيت من السباع، ومن القر، قلت: فرضيت بهذا العيش! قال: فكأنه غضب، وقال: إن كنت لأحسبك أفقه مما أرى، ومن أعطي أفضل مما أعطيت، قد كفاني مؤنتي هذه، ثم أقبل عليّ، فقال: يسرك أن لك بيديك مائة ألف؟ قلت: لا، قال: يسرك أن لك برجليك مائة ألف؟ قال: قلت، لا، قال: يسرك أن لك بعينيك مائة ألف؟ قلت: لا، قال: يسرك أن لك بسمعك مائة ألف، قلت: لا، قال: فمن أعطي أفضل مما أعطيت، قلت: أن مكانك هذا منقطع من الناس أخاف لو مرضت أو مت أن تضيع، وقد مررت بجبل كذا وكذا، فرأيت فيه غاراً وعند الغار عين تجري وهو من القرى قريب نحو من فرسخين، فلو تحولت إليها أحب لك من مكانك هذا، وكنت تجمع مع المسلمين ولو مرضت لم تضع ولو مت لم تضع، قلت له: فإن عندي جبة مدرعة أحب أن تأخذها فتلبسها، قال: ما شئت فجئت بالجبة فدفعتها إليه فأخذها، قال: فتحول إلى المكان الذي نعتها، قال: وكاتبني سبع سنين ثم انقطع كتابه».
قلت: هذه قصة خيالية مكذوبة!
والخلاصة أن أبا غالب هذا مُنكر الحديث! وهو متّهم، وحديثه كذب فلا يُقبل أبداً. وهذا الحديث والقصص التي أوردتها في التدليل على اتهامه كافية في ذلك، فليس بالضروري أن يكون كلّ ما يرويه مخترعاً، بل الأحاديث المنكرة الأخرى التي رواها عن أبي أمامة تؤيد هذا، إذ أن هذه الأحاديث لا تعرف عن أبي أمامة إلا من طريقه ولا يعرفها أصحابه الثقات الذين كانوا يلازمونه حتى يتفرد بها هذا الراوي البصري.