قلت: لم يذكر البخاري أي قول لمن قال بأن أبا أمامة توفي سنة (86) وظاهر تصرفه بإيراده ما ذكره أنه يرجّح أنه بقي إلى خلافة الوليد، وكانت خلافته بعد عبدالملك من (86 - 96 هـ)، وفعله هذا لا يخرج عن قول من قال بأنه توفي سنة (86 هـ)، والذي يظهر أنه توفي في بداية خلافة الوليد أي بعد أن مات عبدالملك بأشهر، أي في سنة (86 هـ) فيكون دخل على الوليد، ثم مات بعدها في السنة التي ولي فيها، أو أن البخاري يرى أنه توفي قبل سنة (90 هـ)، والله أعلم.
وقد ذهب أبو الحسن بن سميع أيضاً إلى أنه مات في إمرة الوليد بحمص.
وعلى ما قاله سُليم بن عامر من أن أبا أمامة كان ابن (30) سنة يوم حجة الوداع، فهذا يعني أنه ولد قبل الهجرة بنحو من عشرين سنة، ولم يثبت أنه شهد أحداً، وقيل شهد بيعة الشجرة (سنة 6 هـ)، فيحتمل أن إسلامه كان بعد سنة (5 هـ)، فيكون عمره نحو من (25) سنة، ومع هذا لم يأتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى قومه يدعوهم كما زعم أبو غالب في قصته.
وقد مر بنا قصة إسلام عمرو بن عبسة التي رواها أبو أمامة عنه، فلم لما حدّث بها أبو أمامة لأصحابه شداد بن عبدالله أبي عمار ويحيى بن أبي كثير عن قصة إسلامه هو!
·…قصص منكرة أخرى لأبي غالب!
ومن قصصه المخترعة:
- ما رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (8/ 285) عن عليّ بن سعيد الرازي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة المروزي، عن علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو غالب، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه: «لا تبكوا هذا الصبي - يعني حسيناً- قال: وكان يوم أم سلمة فنزل جبريل عليه السلام فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الداخل، وقال لأم سلمة: لا تدعي أحداً يدخل بيتي، فجاء الحسين رضي الله عنه فلما نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في البيت أراد أن يدخل فأخذته أم سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكنه، فلما اشتد في البكاء خلت عنه، فدخل حتى جلس في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: إن أمتك ستقتل ابنك هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يقتلونه وهم مؤمنون بي؟ قال: نعم يقتلونه، فتناول جبريل تربة، فقال: بمكان كذا وكذا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد احتضن حسينا كاسف البال مهموماً، فظنت أم سلمة أنه غضب من دخول الصبي عليه، فقالت: يا نبي الله جعلت لك الفداء، إنك قلت لنا لا تبكوا هذا الصبي وأمرتني أن لا أدع يدخل عليك فجاء فخليت عنه فلم يرد عليها، فخرج إلى أصحابه وهم جلوس، فقال لهم: إن أمتي يقتلون هذا، وفي القوم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وكانا أجرأ القوم عليه، فقالا: يا نبي الله، يقتلونه وهم مؤمنون؟ قال: نعم، وهذه تربته - وأراهم إياها».
وقع تحريف في المطبوع من معجم الطبراني، ففيه: "إِسْمَاعِيلُ بن إبراهيم بن الْمُغِيرَةِ الْمَرْوَزِيُّ: حدثنا ابن الْحَسَنِ بن شقيق: حدثنا الحُسَيْنُ بن وَاقِدٍ: حدثني أبو غَالِبٍ"! وقد رواه ابن عساكر في «تاريخه» (14/ 190) من طريق الطبراني كما سقناه آنفاً.
قال ابن عساكر: أنبأنا أبو علي الحداد وجماعة قالوا: أنبأنا أبو بكر بن ريذة: أنبأنا سليمان بن أحمد الطبراني: قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة المروزي: حدثنا علي بن الحسين بن واقد: حدثني أبي: حدثنا أبو غالب.
قلت: هذا الحديث كذب!
ومنها: ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «حسن الظن» (ص 44) وكتاب «المحتضرين» (ص 34) عن أبي عمرو محمد بن عبدالعزيز بن أبي رزمة المروزي، قال: أخبرنا علي بن شقيق، قال: أخبرنا الحسين بن واقد، عن أبي غالب، قال: «كنت اختلف إلى الشام في تجارة وعظم ما كنت اختلف من أجل أبي أمامة، فإذا فيها رجل من قيس من خيار الناس فكنت أنزل عليه ومعنا ابن أخ له مخالف يأمره وينهاه ويضربه فلا يطيعه، فمرض الفتى فبعث إلى عمّه فأبى أن يأتيه، فأتيته أنا به حتى أدخلته عليه، فأقبل عليه يشتمه ويقول: أي عدو الله الخبيث ألم تفعل كذا، ألم تفعل كذا! قال: أفرغت أي عم؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو أن الله دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي؟ قال: إذاً والله كانت تدخلك الجنة، قال: فوالله لله أرحم بي من والدتي فقبض الفتى فخرج عليه عبدالملك بن مروان، فدخلت القبر مع عمه فخطّوا له خطاً ولم يلحدوا له، قال: فقلنا باللبن فسويناه، قال: فسقطت منها لبنة فوثب عمه فتأخر، فقلت: ما شأنك؟ قال: مُلئ قبره نوراً وفسح فيه مثل مد البصر».