فَحَدَّثَ عَمْرُو بن عَبَسَةَ بهذا الحديث أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو أُمَامَةَ: يا عَمْرَو بن عَبَسَةَ، انْظُرْ ما تَقُولُ في مَقَامٍ وَاحِدٍ يعطي هذا الرَّجُلُ! فقال عَمْرٌو: يا أَبَا أُمَامَةَ، لقد كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَاقْتَرَبَ أَجَلِي وما بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ على اللَّهِ ولا على رسول اللَّهِ، لو لم أَسْمَعْهُ من رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلا مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا حتى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ ما حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ من ذلك».
قلت: فأبو أمامة استنكر على عمرو بن عبسة هذا الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من عِظم الأجر، فأخبره أنه سمعه منه أكثر من سبع مرات، وهذا هو نفس اللفظ الذي أتى به أبو غالب عن أبي أمامة! فكأن أبا غالب كان عنده أحاديث أبي أمامة وفيها هذا فنسبه إليه في بعض أحاديثه!
ومثل هذا الحديث في ثواب الوضوء لا يُستنكر أن يعيده النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه؛ لأن السؤال عن ذلك كان كثيراً ممن كان يأتيه ويدخل في دين الله، وذكر فضل الوضوء والصلاة كان كثيرا منه صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه، وهذا الفضل للوضوء معروف في أحاديث أخرى.
وعليه ينبغي التنبه لمثل هذه الروايات التي يرويها أبو غالب وغيره في سماع بعض الصحابة بعض الأحاديث مرات كثيرة.
وبناء على ذلك نستطيع معرفة علل ما وقع في هذا الباب من أحاديث ونسبتها لأبي أمامة؛ لأن الحديث حديث عمرو بن عبسة، وأبو أمامة إنما يرويه عنه، ومن ذلك:
ما رواه أَبُو الفَضْلِ الزُّهْرِيُّ في «جزئه» من طريق أبي فَرْوَةَ الرَّهَاوِيّ يزيد بن سنان، عن زَيْد بن أَبِي أُنَيْسَةَ، وَعَبْداللَّهِ بن عَلِيٍّ، عَنْ عَدِيِّ بنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَالِمِ بنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَوَضَّأُ , فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ رِجْلَيْهِ» قَالَ سَالِمٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، انْظُرْ مَا تَقُولُ، فَإِنَّا قَدْ أَدْرَكْنَا رِجَالًا, فَمَا سَمِعْنَاهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ.
قلت: أبو فروة الرهاوي ليس بشيء متروك الحديث، وله نسخة عن زيد بن أبي أنيسة ينفرد بها عنه، لا يتابعه عليها أحد! وعامّة حديثه ليس بمحفوظ.
ومنها أيضاً: ما رواه القاسم بن سلام في كتاب «الطهور»، والطبراني في «المعجم الكبير» من طريق زَيْدِ بنِ أَبِي أُنَيْسَةَ وزائدة بن قُدامة وجعفر بن الحارث، كلهم عن عَاصِم بن بهدلة، عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ, فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ يَتَنَفَّلُ , فَقُلْتُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوُضُوءِ، فَقَالَ: نَعَمْ , لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا, مَا بَالَيْتُ أَنْ لَا أُحَدِّثَ بِهِ, قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الرَّجُلُ كَمَا أُمِرَ, ذَهَبَ الْإِثْمُ مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ».