تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثمّ ما به أبو غالب هذا في بعض الأحاديث التي يدّعي أنه سمعها من أبي أمامة يسأله: هل سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وهذا في الرواة نادر ما يحصل من باب عِظم ما سمع الراوي، لكن أن يكون ديدناً عند الراوي فهذا يدلّ على أن هذا من صنعته! ففي حديثنا هذا، قال: قلت يا أبا أمامة من قبل رأيك تقول أم شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «إني لجريء ثلاثاً، بل شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرة ولا مرتين حتى بلغ ستة»، وفي رواية: «لا بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرة ولا مرتين حتى بلغ سبعاً»!

وفي حديث آخر رواه الطبراني من طريق أبي خريم عقبة بْن أَبي الصهباء الباهلي البَصْرِيّ، قال: حدثنا أَبُو غَالِبٍ، قال: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَسْمَعُ أَذَانًا، فَقَامَ إِلَى وُضُوئِهِ إِلَّا غُفِرَ لَهُ فِي أَوَّلِ قَطْرَةٍ يَصُبُّ كَفُّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ القطْرِ يَغْفِرُ اللهُ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ، فَيَقُومُ إِلَى صَلَاتِهِ وَهِيَ نَافِلَةٌ». قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا أُمَامَةَ؟ قَالَ: «وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثًا، وَلَا أَرْبَعًا، وَلَا عَشْرًا» وَطَبَّقَ بِيَدِهِ.

قلت: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُعيد كلماته أحياناً ليُحفظ عنه الحديث وخاصة في الأحكام ليتعلم النّاس، وأما أن يعيد مثل هذا الحديث سبع مرات أو عشر، ويسمعه أبو أمامة منه فقط كلّ هذه المرات فهذا ادّعاء بيّن من أبي غالب هذا! وهذه قرينة الصنعة في الحديث.

ومما يُقبل في ذلك ما رواه الإمام مسلم في «صحيحه» (1/ 569) في قصة إسلام عمرو بن عبسة ورواها عنه أبو أمامة فسأله عن حديثه هذا لما فيه من عِظم الأجر فيه.

قال مسلم: حدثني أَحْمَدُ بن جَعْفَرٍ المَعْقِرِيُّ، قال: حدثنا النَّضْرُ بن مُحَمَّدٍ، قال: حدثنا عِكْرِمَةُ بن عَمَّارٍ، قال: حدثنا شَدَّادُ بن عبداللَّهِ أبو عَمَّارٍ وَيَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي أُمَامَةَ - قال عِكْرِمَةُ: وَلَقِيَ شَدَّادٌ أَبَا أُمَامَةَ وَوَاثِلَةَ وَصَحِبَ أَنَسًا إلى الشَّامِ وَأَثْنَى عليه فَضْلًا وَخَيْرًا - عن أبي أُمَامَةَ قال: قال عَمْرُو بن عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: «كنت وأنا في الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ الناس على ضَلَالَةٍ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا على شَيْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا فَقَعَدْتُ على رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عليه فإذا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عليه قَوْمُهُ فَتَلَطَّفْتُ حتى دَخَلْتُ عليه بِمَكَّةَ، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نَبِيٌّ، فقلت: وما نَبِيٌّ؟ قال: أَرْسَلَنِي الله، فقلت: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قال: أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ الله لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ، قلت له: فَمَنْ مَعَكَ على هذا؟ قال: حُرٌّ وَعَبْدٌ، قال: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أبو بَكْرٍ وَبِلَالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، فقلت: إني مُتَّبِعُكَ، قال: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذلك يَوْمَكَ هذا، ألا تَرَى حَالِي وَحَالَ الناس، وَلَكِنْ ارْجِعْ إلى أَهْلِكَ فإذا سَمِعْتَ بِي قد ظَهَرْتُ فَأْتِنِي. قال: فذَهَبْتُ إلى أَهْلِي وَقَدِمَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ وَكُنْتُ في أَهْلِي فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ الناس حين قَدِمَ الْمَدِينَةَ حتى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ من أَهْلِ يَثْرِبَ من أَهْلِ الْمَدِينَةَ، فقلت: ما فَعَلَ هذا الرَّجُلُ الذي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: الناس إليه سِرَاعٌ وقد أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فلم يَسْتَطِيعُوا ذلك، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عليه، فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَعْرِفُنِي؟ قال: نعم، أنت الذي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ، قال: فقلت بَلى، فقلت يا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ الله وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عن الصَّلَاةِ؟ قال: صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصَّلَاةِ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حتى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حين تَطْلُعُ بين قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لها الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فإن الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصَّلَاةِ، فإن حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فإذا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فإن الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حتى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عن الصَّلَاةِ حتى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بين قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لها الْكُفَّارُ، قال: فقلت، يا نَبِيَّ اللَّهِ، فالوُضُوءَ حَدِّثْنِي عنه، قال: ما مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إذا غَسَلَ وَجْهَهُ كما أَمَرَهُ الله إلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ من أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مع الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلى الْمِرْفَقَيْنِ إلا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ من أَنَامِلِهِ مع الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إلا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ من أَطْرَافِ شَعْرِهِ مع الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلى الْكَعْبَيْنِ إلا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ من أَنَامِلِهِ مع الْمَاءِ، فَإِنْ هو قام فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هو له أَهْلٌ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إلا انْصَرَفَ من خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٤٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٤٠١