ثم ذكر صفات المهدي، ثم قال: "وَتَكُونُ الرَّايات السُّود الْمَذْكُورَةُ فِي هذِهِ الْأَحَادِيثِ - إِنْ صحَّت - هِيَ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْمَهْدِيِّ، وَيَكُونُ أوَّل ظُهُورِ بَيْعَتِهِ بِمَكَّةَ، ثمَّ تَكُونُ أَنْصَارُهُ مِنْ خُرَاسَانَ، كَمَا وَقَعَ قَدِيمًا للسَّفاح، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
هذا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى صحَّة هذِهِ الْأَحَادِيثِ، وإِلَّا فَلَا يَخْلُو سَنَدٌ مِنْهَا عَنْ كلام، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصَّواب".
·…ترجمة مختصرة لأبي مسلم الخراساني:
قال الذهبي في «السّير»: "أبو مسلم الخراساني عبدالرحمن بن مسلم ... الأمير، صاحب الدعوة، وهازم جيوش الدولة الأموية، والقائم بإنشاء الدولة العباسية.
كان من أكبر الملوك في الإسلام، كان ذا شأن عجيب، ونبأ غريب، من رجل يذهب على حمار بإكاف من الشام حتى يدخل خراسان، ثم يملك خراسان بعد تسعة أعوام، ويعود بكتائب أمثال الجبال، ويقلب دولة، ويقيم دولة أخرى!
ذكره القاضي شمس الدّين ابن خلكان، فقال: (كان قصيرا، أسمر، جميلا، حلوا، نقي البشرة، أحور العين، عريض الجبهة، حسن اللحية، طويل الشعر، طويل الظهر، خافض الصوت، فصيحا بالعربية وبالفارسية، حلو المنطق. وكان راوية للشعر، عارفا بالأمور، لم ير ضاحكا ولا مازحا إلا في وقته. وكان لا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام، فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الفادحة الشديدة، فلا يرى مكتئبا. وكان إذا غضب، لم يستفزه الغضب ...
قيل: مولده في سنة مائة، وأول ظهوره كان بمرو، في شهر رمضان، يوم الجمعة، من سنة تسع وعشرين ومائة، ومتولي خراسان إذ ذاك الأمير نصر بن سيار الليثي؛ نائب مروان بن محمد الحمار، خاتمة خلفاء بني مروان ... فكان ظهوره يومئذ في خمسين رجلا، وآل أمره إلى أن هرب منه نصر بن سيار قاصدا العراق، فنزل به الموت بناحية ساوة، وصفا إقليم خراسان لأبي مسلم صاحب الدعوة، في ثمانية وعشرين شهراً ... اتصل بعيسى بن معقل؛ جد الأمير أبي دلف العجلي، وبأخيه إدريس بن معقل، فحبسهما أمير العراق على خراج انكسر، فكان أبو مسلم يختلف إليهما إلى السجن، ويتعهدهما، وذلك بالكوفة، في اعتقال الأمير خالد بن عبد الله القسري.
فقدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس؛ والد المنصور والسفاح، فدخلوا على الأخوين يسلمون عليهما، فرأوا عندهما أبا مسلم، فأعجبهم عقله وأدبه وكلامه، ومال هو إليهم.
ثم إنه عرف أمرهم ودعوتهم - يعني: إلى بني العباس- ثم هرب الأخوان عيسى وإدريس من السجن، فلزم هو النقباء، وسار صحبتهم إلى مكة، فأحضروا إلى إبراهيم بن الإمام - وقد مات الإمام محمد - عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم، وأهدوا له أبا مسلم، فأعجب به.
وقال إبراهيم لهم: هذا عضلة من العضل. فأقام مسلم يخدم الإمام إبراهيم، ورجع النقباء إلى خراسان ... ).
قال الذهبي: كان أبو مسلم سفّاكاً للدماء، يزيد على الحجاج في ذلك، وهو أول من سنَّ للدولة لبس السواد ... ".
وذكر هشام بن محمد بن يوسف: "أن أبا مسلم كان عبداً سراجاً من أهل خراسان وأنه صبغ خرقا سوداء فجعلها في قناة.
قال: وكانوا يسمعون في الحديث أنها تخرج رايات سود من قبل المشرق فكانت أنفسهم تتوق إلى ذلك، فلما فعل أبو مسلم ذلك تبعه عبيد وغير ذلك، وقال: من تبعني فهو حر، ثم خرج هو ومن اتبعه فوقعوا بعامل كان في بعض تلك الكور فقتلوه، وأخذوا ما كان معه وازداد من كان معه كثرة وسار في خرا سان فأخذ كبراها ثم كتب إلى إبراهيم بن محمد - وكان إبراهيم فيما ذكروا مختفياً عند رجل من أهل الكوفة قد حفر له نفقاً في الأرض - فكتب إليه أبو مسلم، فأرسل إليه رجلاً من أصحابه قد سمى له موضعه، والرجل الذي هو عنده فخرج رسوله حتى بلغ الرجل فأدخله عليه فدفع إليه كتابه، وجعل إبراهيم يسائله ما بلغوا من البلاد وأجابه بما أجابه، فلما ودعه وهو يريد المسير قال له إبراهيم: أقر صاحبك السلام وقل له لا يمر بشجرة عظيمة في طريقة إلا نحاها من طريقه.