قلت: يُرجّح الدارقطني رواية يزيد بن أبي زياد لمتابعة عمارة بن القعقاع له عن إبراهيم، وهذا الترجيح لا يعني بالضرورة صحة الحديث عنده، وهو إنما يرّجح بين الطرق فقط.
والعجيب كيف جعل الدارقطني هذه متابعة لعمارة مع اختلاف المتن!! فإن رواية عمارة ليس فيها ذكر الرايات السود!
ورواية عمارة أخرجها الدولابي في «الكنى والأسماء» (2/ 716) قال: أخبرني أحمد بن شعيب، قال: أنبأنا محمد بن يحيى بن محمد، قال: حدثنا عبدالرحمن بن عمرو أبو عثمان الحراني، قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل بيتي هؤلاء اختارهم الله للآخرة ولم يخترهم للدنيا، وسيلقون بعدي تشريداً وتطريداً وبلاء شديداً».
قلت: محمد بن فضيل لم يسمعه من عمارة!
أخرجه الخطيب البغدادي في «الرحلة في طلب الحديث» (ص 145) من طريق العباس بن محمد الدوري، عن محمد بن المهلب الحراني، قال: حدثنا عبدالرحمن بن عمرو الحراني، قال: حدثنا محمد بن الفضيل، قال: قال لي مغيرة: سمعت من عمارة بن القعقاع حديثاً ذكره عن إبراهيم – قال: وكان عمارة قد خرج إلى مكة فاكتريت حماراً فلحقته بالقادسية - فحدثني عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم تمر به الفتية من قريش فلا يتغير لونه، وتمر الفتية من أهل بيته فيتغير لونه، فقلنا، يا رسول الله: لا نزال نرى منك ما يشق علينا! تمر بك الفتية من قريش فلا يتغير لونك، وتمر بك الفتية من أهل بيتك فيتغير لونك! قال: إن أهلي هؤلاء اختارهم الله للآخرة ولم يخترهم للدنيا، وسيلقون بعدي تطريداً وتشريداً وبلاءً شديداً).
قلت: عبدالرحمن بن عمرو هو: أبو عثمان عمرو بن عبيد المعتزلي، وقد أردف الخطيب هذه الرواية برواية أخرى من طريق أبي عبدالله محمد بن إبراهيم بن زياد بن عبدالله الرازي مولى بني هاشم، قال: حدثنا عبدالمؤمن بن علي، قال: حدثنا ابن فضيل قال: قال مغيرة بن مقسم: سمعت من عمارة بن القعقاع حديث إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الفتية من أهل بيته تغير لونه)، قال: قال لي المغيرة كان عمارة قد خرج إلى مكة فاكتريت حماراً فصرت إلى القادسية، فلما رآني قال: ما جاء بك؟ قال: قلت، حديث إبراهيم عن علقمة عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نعم، حدثني إبراهيم عن علقمة عن عبدالله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نظر إلى الفتية من أهل بيته تغير لونه، وقال: إن أهل بيتي هؤلاء اختار الله لهم الآخرة ولم يختر لهم الدنيا، وسيلقون بعدي تطريداً وتشريداً، وذكر حديثا طويلا.
قلت: هذا الحديث منكر! ولا يُعرف عن إبراهيم ولا عن علقمة! وعمارة بن القعقاع الكوفي ثقة لكن حديثه هذا منكر! فلا ندري أسمعه من إبراهيم أم لا! وصيغة التحديث (حدثني إبراهيم .. ) لا نعرف هل هي في أصل الرواية أم لا! ومتنه ليس فيه ذكر الرايات السود.
وعلى كلّ حال؛ فإنّ حديث يزيد بن زياد في الرايات السود قد تفرد به هو، ولم يتابعه عليه أحد! وقد رواه عنه جمع من الثقات: محمد بن فضيل وعبدالله بن إدريس وجرير وغيرهم عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة.
قال ابن عدي بعد أن ذكر هذا الحديث في منكرات يزيد: "وهذا الحديث لا أعلم يرويه بهذا الإسناد عن إبراهيم غير يزيد بن أبي زياد".
قلت: يعني أن الحديث حديث يزيد والروايات التي رُويت في متابعته لا تصح كما بينت آنفاً.
· حديث أبي هريرة:
روى أحمد في «المسند» قال: حدثنا يحيى بن غَيْلاَنَ وَقُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ قَالاَ: حدثنا رِشْدِينُ بن سَعْدٍ - قال يحيى بن غَيْلاَنَ في حَدِيثِهِ قال: حدثني يُونُسُ بن يَزِيدَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عن قَبِيصَةَ بن ذؤيب، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «يَخْرُجُ من خُرَاسَانَ رَايَاتٌ سُودٌ لاَ يَرُدُّهَا شيء حتى تُنْصَبَ بِإِيلِيَاءَ».