قال المصنف: "وفي هذا أخبار كثيرة هذا أحسنها وأولاها إن صحت الرواية".
قلت: الصواب في رواية عبدالوهاب الوقف، وقد يكون هذا الرفع في هذه الرواية من بعض الرواة أو من النسخ، والله أعلم.
وقد قال البيهقي في "دلائل النبوة" (6/ 516) بعد أن ساق رواية عبدالرزاق عن سفيان: "وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْقُوفًا، قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتَ السُّودَ خَرَجَتْ مِنْ قِبَلَ خُرَاسَانَ فَأْتُوهَا فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللهِ الْمَهْدِيَّ".
فنصّ البيهقي على أن الرواية عن عبدالوهاب موقوفة.
· إنكار ابن عُلية على خالد الحذّاء تفرّده بهذا الحديث:
وهذا الحديث بهذا الإسناد مما تفرّد به خالد الحذّاء، وهو – وإن كان ثقة – إلا أن تفرده بمثل هذا الحديث المنكر مردود، وقد أنكره عليه ابن عُلية.
قال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (2/ 325): حدّثني أبي، قال: قيل لابن علية في هذا الحديث، فقال: "كان خالد يرويه"، "فلم يلتفت إليه، ضعَّف ابن علية أمره، يعني حديث خالد عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرايات".
· تصحيح مفهوم لهذه الحكاية:
وقد ذكر الحافظ العقيلي في ترجمة "خالد الحذاء" من «الضعفاء» (2/ 49) هذه الحكاية، قال: حدثنا عبدالله بن أحمد قال: حدثنا أبي قال: قيل لابن علية في هذا الحديث، فقال: كان خالد يرويه، فلم نكن نلتفت إليه، ضعف ابن علية أمره، يعني خالد الحذاء.
والظاهر أن الذهبي نقل هذه الحكاية في «السير» (6/ 191) و «الميزان» (2/ 429) عن العقيلي. وقد يفهم من هذا النقل أن ابن علية ضعف أمر الحذاء مطلقاً! وهذا بعيد، فإن الحكاية كما حدث بها عبدالله في كتابه واضحة أنه ضعف أمر هذا الحديث فقط، قال: "ضعَّف ابن علية أمره، يعني حديث خالد عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرايات".
فالتضعيف هنا لهذا الحديث وإنكار من ابن علية له. وابن علية قد روى عن الحذاء، وحديثه عنه في الصحيحين.
فابن عليه – رحمه الله – لم يقبل هذا التفرد من خالد الحذّاء؛ لأن الحديث فيه نكارة!! وعليه فلا نجزم بأن أبا قلابة حدّث به كما ذهب إليه بعض المعاصرين. ولو كان هذا الحديث عند أبي قلابة لوجدناه عند كبار أصحابه كأيوب وغيره.
وكأن خالداً – رحمه الله – قد دخل له إسناد في إسناد؛ فإنه لما قدم من الشام كان قد تغير حفظه في آخره.
قال يحيى بن آدم: قلت لحماد بن زيد، ما لخالد الحذاء في حديثه؟ قال:"قدم علينا قدمة من الشام، فكأنا أنكرنا حفظه".
فهذا الذوق الحديثي عند أهل النقد لا يعرفه كلّ من اشتغل أو روى الحديث، وإنما اختص الله به جماعة قليلة منهم.
وأصل الحديث من حديث عليّ بن زيد بن جدعان كما تقدمت روايته وهو بصري، وخالد الحذاء بصري، فيحتمل أنه كان عنده من حديث أهل البصرة، فلما نزل الشام وعندهم أحاديث أبي قلابة عن ثوبان، وكان قد تغير حفظه لما رجع من هناك خلّط فيه!
ولا يعترض علينا معترض بقوله: خالد الحذاء ثقة، فحديثه مقبول؟!
والجواب: نعم، هو ثقة ولا شك في ذلك، ولكن الثقة يخطئ ويهم، وهذه العلل الخفية لهؤلاء الثقات لا يعرفها كثير من الناس، ولذلك لما قيل لابن علية عن هذا الحديث الذي يرويه خالد ضعفه مباشرة ولم يرفع به رأساً وإن رواه مثل خالد.
· نقد ابن عُلية عزيز، وتنبيه مهم:
بعض الرواة كانوا قد استنزفوا حديث شيوخهم فسمعوا كلّ ما عندهم كابن عُلّية، وهؤلاء كان نقدهم قليلاً جداً، فإذا صدر منهم النقد فإنه يكون عزيزاً، ويكون في محله، وهنا لما ذُكر لابن علية حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة في الرايات السود، أنكره، وكان يعلم أن خالداً يُحدِّث به، ومع ذلك لم يروه عنه.