قال أبو عامر: "فخرج أبو العميطر في هذه السنة".
وروى هشام بن عمار نحوه عن الوليد.
قال الذهبي معقباً على هذا في «تاريخ الإسلام»: "وكان الوليد رأسًا في الملاحم ومعرفتها. ولعلّه ظفر بأثر في ذلك" ..
قلت: الوليد بن مسلم روى روايات كثيرة عن خروج السفياني – كما مر- وكان يعتقد بها ولهذا قال ما قال! وقد اختلف في وفاته فقيل: سنة (194 هـ) وقيل (195 هـ) وقيل (196 هـ)! والأشهر أنه توفي في أول سنة (195 هـ) في المحرّم.
وروى ابن عساكر من طريق محمد بن إسحاق بن الحريص قال: سمعت هشام بن عمار يقول: سمعت الوليد بن مسلم يقول: "والله ليخرجن السفياني سنة خمس وتسعين ومئة، ووالله ليلين قضاءه ابن أبي دارمة - يعني أبا مسهر عبدالأعلى بن مسهر- فخرج أبو العميطر السفياني في سنة خمس وتسعين ومئة، وكان الوليد قد حج في سنة أربع وتسعين ومئة وجاور بمكة ومات بها".
قلت: الأحاديث التي كانت منتشرة هي التي هيأت لظهور السفياني أبي العميطر هذا!
·…كيفية خروجه:
خروجه وادعاؤه أنه هو السفياني الذي ينتظره الناس كان بتحريض من بعضهم ليخرج!
قال الميموني: قال أحمد بن حنبل للهيثم بن خارجة: كيف كَانَ مُخَرَّج السُّفيانيّ بدمشق أيام ابن زبيدة بعد سليمان بن أبي جعفر؟ فوصفه بهيئة جميلة واعتزالٍ للشرّ قبل خروجه، ثمّ وصفه حين خرج بالظُّلم، وقال: أرادوه عَلَى الخروج مِرارًا ويأبى، فحفرَ له خَطاب الدمشقي المعروف بابن وجه الفلس وأصحابه تحت بيته سَرَباً، ثم دخلوه في الليل ونادوه: "أخرج فقد آن لك"! فقال: "هذا شيطان".
ثم أتوه في الليلة الثانية فوقع في نفسه، ثم أتوه في الليلة الثالثة فلما أصبح خرج!
فقال أبو عبدالله أحمد بن حنبل: "أفسدوه"!
وكان عُمْرُ أَبِي الْعُمَيْطِرِ، حِينَ خَرَجَ، تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ النَّاسُ قَدْ أَخَذُوا عَنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، فَلَمَّا خَرَجَ ظَلَمَ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ، فَتَرَكُوا مَا نَقَلُوا عَنْهُ.
روى ابن عساكر قال: قرأت بخط أبي الحسين الرازي: أخبرني أبو الفضل العباس بن أحمد بن محمد بن صالح بن بيهس الكلابي: حدثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال: "كان بدو أمر محمد بن صالح بن بيهس بن زميل بن عمرو بن هبيرة بن زفر بن عامر بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة أن سليمان بن أبي جعفر ولي دمشق عقب فتنة وعصبية كانت بين قيس واليمن، وكان علي بن عبدالله أبو العميطر من ولد يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكان بنو أمية يرون فيه الروايات ويذكرون أن فيه علامات السفياني وأن أموره لا تتم له إلا بكلب، وأنهم أنصاره فمالوا إليهم وتوددوهم وأيقنوا أنه لا يتم لهم أمر مع محمد بن صالح، وأن تمام أمر السفياني إنما هو بسباء نساء قيس وسفك دمائهم، فاندسوا إلى سليمان بن أبي جعفر فقالوا له: إن هذا الفساد في عملك بسبب هذه الزواقيل، وإن رؤساءهم وصناديدهم ومن معهم من الضباب".
وفي المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ قوي محمد بن صالح بْن بَيْهَس الكلابيّ، وظهر عَلَى السُّفيانيّ الَّذِي خرج بدمشق، وحاصرها، ثمّ نصب عليها السلالم وتسوّرها أصحابه.
وكان قد تغلّب عَلَى دمشق مَسْلَمة بن يعقوب الأُمويّ، فهربَ وعمد إلى أَبِي العُمَيْطِر، وكان في حبْسه، ففكّ قيده، ثمّ خرجا بزيّ النّساء في السرّ إلى المِزَّة. واستولى ابن بَيْهَس عَلَى البلد.
قال الذهبي: ومَسْلَمة بن يعقوب بن مَسْلَمة بن عَبْد المُلْك بن مروان الأُمويّ: أحد أشراف الشاميّين. كَانَ أحد مِن خرج عَلَى الدّولة العباسية.
وذلك أنّ أبا العُميطر الأُمويّ السُّفْيانيّ لمّا ظهر وغلب عَلَى دمشق في سنة خمسٍ وتسعين ومائة، وبعدها تمكّن مَسْلَمة هذا مِن الأمور، وعمل عَلَى أَبِي العُميطر وقبض عَليْهِ، لأنّ أبا العُميطر كَانَ شيخًا كبيرًا، فقيّده ودعا لنفسه وبايعوه.