وقد نقل بقية كلامه الحافظ ابن حجر في «النكت الظراف» فقال: "قلت: بقية كلامه: رواه دُحيم [ق] عن الوليد، ووافقه ابن أبي العشرين عن الأوزاعي. وكذا رواه داود بن رُشيد وإسحاق بن موسى عن الوليد، لكن قالا (عن)، لم يقولا: (حدثني). وكذا قال عيسى بن يونس وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، وخالفهم الوليد بن مزيد وعمر بن عبدالواحد، قالا: عن الأوزاعي: بلغني عن نافع. وكذا قال شعبة: أخبرنا الأوزاعي، عن رجل، عن نافع" انتهى.
ويبدو أن الوليد بن مسلم أحياناً كان يذكر السماع وأحياناً يذكر العنعنة! وقد تبيّن أن الحديث فيه علة كما بينته رواية الوليد بن مزيد وعمر بن عبدالواحد وشعبة، وبيّنوا أن هناك واسطة بين الأوزاعي ونافع، ولم يسمعه الأوزاعي من نافع.
والعجب من ابن حجر لم يتنبه لما نقله عن أبي مسعود في شرحه لصحيح البخاري، فإنه قال فيه (2/ 463): "والوليد المَذْكُور هُنَا هُوَ ابن مُسْلِمٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ لَهُ وَبِتَحْدِيثِ نَافِعٍ لِلْأَوْزَاعِيِّ فَأُمِنَ تَدْلِيسُ الْوَلِيدِ وَتَسْوِيَتُهُ، وَلَيْسَ للأوزاعي عَن نَافِع عَن ابن عُمَرَ مَوْصُولًا فِي الصَّحِيحِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ".
وقال ابن رجب في شرحه على البخاري «فتح الباري» (9/ 37): "وقد ذكر غير واحد: أن الأوزاعي لم يصح له سماع من نافع، منهم ابن معين ويحيى بن بكير.
وقيل: سمع منه حديثا واحداً.
وقد قيل: إن الشاميين كانوا يتسمحون في لفظة (أنا)، و (ثنا)، ويستعملونها في غير السماع. ذكره الإسماعيلي وغيره".
وقال في موضع آخر في حديث آخر للأوزاعي (9/ 230): "وقال عيسى بن يونس وعباد بن جويرية: عن الأوزاعي، عن الزهري عن القاسم، عن عائشة - من غير ذكر: (نافع). وكذا روي عن ابن المبارك، عن الأوزاعي.
قالَ الدارقطني: فإن كانَ ذَلِكَ محفوظاً عن الأوزاعي، فهوَ غريب عن الزهري.
وخرجه البيهقي من رواية الوليد بن مسلم: حدثنا الأوزاعي: حدثني نافع ثُمَّ قالَ: كانَ ابن معين يزعم أن الأوزاعي لم يسمع من نافع شيئا.
ثُمَّ خرجه من طريق الوليد مزيد: حدثنا الأوزاعي: حدثني رجل، عن نافع - فذكره.
قالَ: وهذا يشهد لقول ابن معين.
قلت: وقد سبق الكلام على رواية الأوزاعي عن نافع في (باب: حمل العنزة بين يدي الإمام يوم العيد)؛ فإن البخاري خرج حديثا للأوزاعي عن نافع مصرحاً فيهِ بالسماع".
فالحديث الذي أخرجه البخاري للأوزاعي عن نافع له علّة، واكتفى البخاري بما وجده في نسخ الشاميين فرواه في كتابه!
والحديث قد صحّ عن نافع عن ابن عمر من طريق آخر من غير طريق الأوزاعي عنه.
وعلى كلّ حال فإسناد حديثنا منكر لا يصح! والحديث فيه نكارة حيث ربط حشر النار للناس بنشوء هؤلاء الخوارج كما جاء فيه! والأصل أن الخوارج قد ظهروا في زمن عليّ وحاربهم ووجدهم كما وصفهم النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وارتباط سوق النار للناس إلى الشام أصله من حديث كعب الأحبار كما روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/ 484) عن عبداللهِ بن نُمَيْرٍ، عن عُبَيْدِاللهِ بن عُمَرَ، عن كَعْبٍ، قال: «يُوشِكُ نَارٌ تَخْرُجُ من اليَمَنِ. قال: تَسُوقُ الناس تَغْدُو مَعَهُمْ إذَا غَدَوْا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إذَا قَالَوا وَتَرُوحُ مَعَهُمْ إذَا رَاحُوا فإذا سَمِعْتُمْ ذلك فَاخْرُجُوا إلَى الشَّامِ».
وحشر النّار للناس قد صح من حديث أبي هريرة كما أخرجه مسلم في «صحيحه» (4/ 2195) من حديث عبداللَّهِ بن طَاوُسٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُحْشَرُ الناس على ثَلَاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ رَاهِبِينً وَاثْنَانِ على بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ على بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ على بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ على بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قالوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا».